يقين 24/ حليمة صومعي
في الأسابيع الأخيرة، ارتفعت نبرة الشكوى من داخل المكاتب الإدارية والجماعية قبل أن يسمعها المواطن في الشارع. مسؤولون منتخبون، موظفون، رؤساء مصالح، وحتى مدراء مؤسسات… الجميع يردد الجملة ذاتها: “الميزانية ما بقاتش كافية… الالتزامات تراكمات… والديون تخنقنا.” هذا الواقع لم يعد مجرد تبرير تقليدي لتأخر المشاريع أو ضعف البرامج، بل صار مؤشراً صريحاً على أزمة تدبيرية ومالية خانقة يعيشها عدد من الجماعات الترابية والإدارات العمومية، خصوصاً بجهة بني ملال–خنيفرة التي تبدو فيها مظاهر الإنهاك أكثر وضوحاً مع محدودية المداخيل واتساع الخصاص التنموي.
تفاقمت التكاليف وتعددت المطالب الاجتماعية والتنموية، فيما ظلت مداخيل عدد من الجماعات جامدة أو ضعيفة، مع غياب منافذ جديدة للتمويل، سواء من خلال الاستثمارات أو الشراكات أو رفع المداخيل الجبائية المحلية. ولم يعد مستغرباً سماع مسؤول جماعي يقول: “خسرنا بزاف، التراكمات كثيرة، خاصنا موارد قبل ما تطيح رجلينا.” هو اعتراف ضمني بأن البنية المالية هشة، وأن سنوات التأجيل والمجاملة وغياب الجرأة في الإصلاح بدأت اليوم تُقدّم فاتورتها الثقيلة، ويظهر ذلك بوضوح في جماعات جهة بني ملال–خنيفرة التي تواجه تحديات إضافية مرتبطة باتساع المجال الترابي وضعف النسيج الاقتصادي المحلي.
السؤال الذي يطرحه الرأي العام هو: هل الأزمة حقيقية فعلاً، أم أنها مجرد “لغبينة” تُستعمل لتبرير الفشل؟ الجواب معقد؛ فالأزمة موجودة فعلاً، لكن حدّتها تختلف من إدارة لأخرى. بعض الجماعات تعاني من ضعف حقيقي في مداخيلها، فيما أخرى كانت تمتلك إمكانيات محترمة لكن سوء التدبير والارتجال أوصلها إلى الباب المسدود. المواطنون يلاحظون أن الشكوى واحدة والنتيجة واحدة: مشاريع متوقفة، خدمات متعثرة، وتأخر في تنفيذ برامج تنموية، وهو المشهد نفسه في بني ملال–خنيفرة حيث تتعثر مشاريع مهيكلة وتنتظر أخرى التمويل منذ سنوات.
الدوائر الإدارية اليوم تعمل تحت ضغط كبير: تأخر تحويلات مالية، ارتفاع تكاليف التسيير، التزامات تراكمت بدون تغطية، ومطالب اجتماعية تتزايد يوماً بعد يوم. ورغم ذلك، يبقى المطلوب منها تقديم خدمات مقبولة دون أن تملك الأدوات الضرورية لذلك، وهو ما يزيد الضغط على الجماعات المحلية بالجهة التي تعاني أصلاً من خصاص في الموارد البشرية والمالية.
الانتقال من وضع الشكوى إلى وضع الحلول يتطلب إصلاحاً حقيقياً لمنظومة التدبير بدل انتظار دعم إضافي كل سنة، وتوسيع قاعدة المداخيل عبر الابتكار في التمويل، ومراجعة أولويات الإنفاق بين الضروري والشكلي، وبين التنموي والسياسي، إضافة إلى جرأة في اتخاذ القرارات وقطع مع سياسة “دوز العام بخير”. وبالنسبة لجهة بني ملال–خنيفرة، فإن هذا الانتقال بات ضرورة ملحّة، لأن استمرار الوضع الحالي يعني المزيد من التأجيل والمزيد من الاحتقان التنموي.
الوضع المالي ليس بخير، وهذا واضح. لكن الأخطر هو أن تتحول الأزمة إلى شماعة جاهزة لتعليق كل الإخفاقات عليها، بينما يستمر المواطن في دفع ثمن سوء التدبير. الأيام القادمة وحدها ستكشف: هل نحن فعلاً أمام ضائقة مالية حقيقية؟ أم أمام موجة تبريرات جديدة تُخفي ما هو أعمق؟

