يقين 24/ حليمة صومعي
هزّت التسريبات المنسوبة لاجتماع لجنة أخلاقيات مهنة الصحافة، التابعة للجنة المؤقتة المكلفة بتسيير قطاع الصحافة والنشر، المشهد الإعلامي والسياسي في المغرب بعنف غير مسبوق، بعدما بث الصحافي حميد المهدوي مقاطع مصورة جلسة كانت مخصصة للنظر في ملفه التأديبي. وما إن انتشرت التسجيلات مساء الخميس حتى تحوّلت إلى كرة ثلج تتدحرج داخل أروقة المؤسسات، وتُشعل نقاشاً واسعاً حول الشرعية، والنزاهة، وحدود السلطة داخل فضاء يفترض أن يقوم على الاستقلال والاحترام.
التسجيلات، التي وُصفت من قبل مهنيين وسياسيين بـ”الصادمة والمربكة”، لم تُثر فقط غضب الجسم الصحافي، بل دفعت إلى موجة ردود رسمية وسجالات سياسية وقانونية تُنذر بتحولات عميقة في المشهد التنظيمي للمهنة. فقد أجمعت عدد من الهيئات النقابية على أن ما جرى يمثل “خرقاً مهنياً غير مسبوق” و”انزياحاً خطيراً عن قيم التنظيم الذاتي”، معتبرة أن الجلسة، التي يفترض أن تكون فضاء للإنصاف والحكمة، تحولت إلى مجال لـ”التجريح وتصفية الحسابات”.
وفي البرلمان، واصل المستشارون الدفع نحو التحقيق والكشف عن المسؤوليات. فبعد سؤالين كتابيين لفاطمة التامني عن فيدرالية اليسار ونادية التهامي عن التقدم والاشتراكية، قدّم المستشار البرلماني خالد السطي سؤالاً ثالثاً موجهاً لوزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، مطالباً بإجراءات “مستعجلة وشفافة” للتحقيق في مضمون التسريبات، ومُثيراً في الآن نفسه وضعية اللجنة المؤقتة التي تجاوزت، بحسبه، مدتها القانونية.
وطالب السطي الوزارة بتوضيح خطواتها المقبلة في شأن مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، بعد التطورات “الخطيرة” التي فجّرت نقاشاً حول المسار الذي اتُخذ في إعادة تنظيم هذه المؤسسة. وأمام هذا الضغط المؤسسي، دخلت النقابات المهنية على الخط، إذ عبّرت الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال عن إدانتها الشديدة لمحتوى التسجيلات، معتبرة إياها “فضيحة أخلاقية ومهنية” تهدد الثقة في آليات المحاسبة داخل القطاع.
الجامعة وصفت ما رُصد من إساءة للمحامين وتحقير لمبدأ المؤازرة القانونية بـ”السلوك المهين”، مؤكدة أن الحق في مسطرة تأديبية عادلة، مستقلة ومحايدة، “حق جوهري لا يمكن المساس به أو إخضاعه لأي اعتبارات شخصية”. وشددت الهيئة على ضرورة “فتح تحقيق فوري ومستقل”، وترتيب الجزاءات على كل من قد تُثبت مسؤوليته، مع الدعوة لإلغاء مهام اللجنة المؤقتة التي اعتبرتها “عبئاً قانونياً ومؤسساتياً”.
وفي الجانب السياسي، لم يتأخر حزب العدالة والتنمية في إعلان موقفه، إذ اعتبر أن اللجنة المؤقتة “فقدت كل شرعية ومصداقية”، وأن مضامين التسريبات تكشف اجتماعاً “بخلفية انتقامية لا تمت للتنظيم الذاتي بصلة”. ودعا الحزب إلى سحب مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة من مجلس المستشارين إلى حين صدور نتائج التحقيق، مؤكداً أن ما حدث يمس بشكل مباشر “سمعة القضاء، واستقلالية اللجنة، ومسار الصحافي المعني”.
ومع اتساع دائرة التفاعل، وجد الرأي العام نفسه أمام أسئلة جوهرية تتعلق بمدى قدرة أجهزة التنظيم الذاتي على الاستمرار بشكلها الحالي، ومدى ضرورة إعادة فتح النقاش حول الإصلاح الحقيقي للمؤسسات المكلفة بحماية شرف المهنة وحقوق المهنيين. فالصدمة، رغم حدتها، أعادت إلى الواجهة مطلباً قديماً: بناء منظومة تأديبية مستقلة، شفافة، خالية من أي تضارب مصالح أو حسابات ضيقة.
وتجمع غالبية المواقف اليوم على أن معالجة ما وقع لا يمكن أن تقتصر على بلاغات الاستنكار، بل تحتاج إلى مساءلة جادة، وإعادة بناء الثقة المفقودة، وإعادة الاعتبار لمبادئ التنظيم الذاتي التي تقوم على النزاهة والاحترام والمسؤولية. وفي انتظار نتائج التحقيقات، يبقى الأمل معلّقاً على إرادة سياسية ومهنية تضمن ألا تتحول هذه الواقعة إلى مجرد “زوبعة” عابرة، بل محطة لتصحيح المسار واستعادة هيبة المهنة وكرامة الصحافيين وثقة الجمهور في المؤسسات الإعلامية.

