يقين 24/ حليمة صومعي
في لحظة ما، حين تنحرف الصحافة عن جوهر رسالتها، لا تعود مجرد مهنة تُدار بأقلام وميكروفونات، بل تصبح أداة قادرة على هدم الوعي العام بدل بنائه. فالصحافة التي تتخلى عن أخلاقياتها تفقد أول شروط وجودها؛ إذ لا يمكن لمنبر يسوّق التضليل أن يدّعي حمل راية الحقيقة.
هناك صحافة لا تبحث عما يجري، بل عمّا يخدم. صحافة تُتقن صناعة الضجيج وتفشل في صناعة المعرفة. صحافة تُطوِّع الأخبار لخدمة المصالح، وتُهندِس العناوين لتجميل الواقع أو تشويهه، وفق ما تُمليه أجندات المال أو مراكز النفوذ.
وحين يحدث هذا، يتحول التحقيق إلى مقاولة، والمقال إلى صفقة، والحقيقة إلى بضاعة رخيصة قابلة للمساومة.
والأخطر من كل ذلك، أن هذا التشوه لم يعد نظرية أو احتمالاً… بل أصبح واقعاً نراه بأمّ أعيننا. فاليوم، عندما شاهد الرأي العام مشهداً يمس أخلاقيات المهنة بشكل صادم، مشهداً شلّ العقول وجعل المتابعين بين من يترحم على زمن الصحافة النظيفة، ومن يتساءل إن كان بالإمكان استعادة الوضع إلى سابق صفائه. فقد سقط القناع عن ممارسات كانت تُدار في الظل، وظهر حجم الركود الأخلاقي الذي أصاب جزءاً من الجسم الإعلامي.
الخطر لا ينعكس على صورة الصحافة فقط، بل على المجتمع بأسره؛ إذ تتآكل الثقة العامة، ويصبح كل حدث موضع شك، وكل معلومة تحتاج إلى غربلة مضاعفة. فالإعلام غير النزيه لا يخطئ في نقل الوقائع، بل يساهم عمداً في صناعة وعي مزيف يقود الناس نحو قراءة كاذبة للواقع.
ولا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم وهو يحمل إعلاماً متذبذباً، مُسخِّراً للتجاذبات، أو غارقاً في مطاردة الترند على حساب الدقة، أو منشغلاً بتلميع النفوذ أكثر مما ينشغل بخدمة الجمهور. كما أن الصراع المحموم على الدعم العمومي وعلى الامتيازات يجعل بعض المؤسسات تتخلى عن استقلاليتها طوعاً، متناسية أن هذا المال مصدره جيوب دافعي الضرائب الذين ينتظرون شفافية لا محاباة.
إن الحاجة اليوم ليست لإعلام صاخب، بل لصحافة نقية، ثابتة في مواقفها، تحترم عقل الناس، وتتحمل عبء الكشف قبل التشهير، والتحقق قبل النشر، والجرأة قبل المجاملة.
صحافة تُبقي مسافتها الأخلاقية مع الجميع، ولا تقبل أن يتحول شرف المهنة إلى إكرامية، أو ينقلب المنبر إلى بوابة تلميع وتبرير.
وحدها الصحافة المستقلة بضميرها، لا بجيوبها، قادرة على أن تكون مرآة للحقائق لا مرآة للمصالح العابرة. وكل انحراف عن هذا الخط ليس مجرد خلل مهني… بل نوع من الفساد الذي يترك أثره في الذاكرة وفي الأجيال.

