بمناسبة الاحتفاء بعيد الاستقلال، قررت القناة الأولى عرض فيلم “55” على شاشتها، الذي يرصد نضال المقاومين المغاربة ضد الاستعمار ومسارهم نحو نيل الاستقلال والحرية، إذ يعيد العمل تقديم مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب خلال خمسينيات القرن الماضي، وتحديدا فترة نفي الملك الراحل محمد الخامس إلى مدغشقر، مسلطا الضوء على الظروف الصعبة التي عاشها المغاربة آنذاك.
ويركز المخرج عبد الحي العراقي في هذا العمل على عدة مستويات، من بينها الوضع الاجتماعي كما تجلى في العادات والتقاليد، واللباس والعلاقات الإنسانية، إضافة إلى التلاحم الأسري وطبيعة العلاقة بين الزوجين، فضلا عن الوقوف عند الوضع الاقتصادي لتلك المرحلة.
ويتناول الفيلم تلك السنوات من منظور نسائي من خلال أداء مجيدة بنكيران لشخصية “لالة فاطمة”، زوجة “مولاي جعفر” المنتمي إلى أعيان المدينة، إذ يعكس هذا الخط الدرامي الحس الوطني للأسر المغربية وقوة ارتباطها بملك البلاد وتشبثها بوحدة الوطن.
ويترجم الفيلم أيضا مشاعر المغاربة خلال فترة نفي الملك محمد الخامس وعودته، مركزا على تطلعاتهم للتحرر وإصرارهم على الاستقلال، بما يعكس الارتباط الوثيق بين الشعب وملكه وإرادتهم المشتركة في مواجهة المستعمر.
وتدور قصة الفيلم أيضا حول كمال، ابن أحد الحرفيين البسطاء في المدينة القديمة بفاس، والذي يعيش الأشهر الأخيرة من الحماية الفرنسية، ويقع في حب جارته عائشة ذات الثمانية عشر عاما المنخرطة في صفوف الحركة الوطنية إلى جانب طلبة جامعة القرويين، قبل أن ينخرط هو الآخر في مسار الكفاح من أجل عودة السلطان محمد بن يوسف والاستقلال.
وكان الفيلم، قد شكل حالة لافتة في قاعات السينما، إذ استمر عرضه لأسابيع طويلة وخاض منافسة قوية في شباك التذاكر أمام مجموعة من الأفلام الكوميدية التي تجذب عادة اهتمام الجمهور، في تجربة غير مسبوقة بالنسبة لعمل درامي تاريخي.
وكشف المخرج عبد الحي العراقي في تصريح صحفي أنه فكر في هذا العمل لأكثر من أربعين سنة، قبل أن يستقر على الفكرة التي أخرجته إلى حيز التنفيذ، موضحا أن أحداثه مستمدة من وقائع حقيقية شهدتها الخمسينيات، وبالخصوص يوم عيد الأضحى الذي لم يُحتفل به آنذاك بسبب ظروف المقاومة وترقب عودة الملك، وهي المرحلة التي بدأت تتضح له معالمها منذ طفولته.
وشدد العراقي على أهمية نقل تلك الحقبة إلى الأجيال التي لم تعشها، حتى تدرك حجم معاناة المغاربة وصولا إلى لحظة عودة الملك محمد الخامس، وكيف أسهم تلاحم الشعب في رحيل الاستعمار، مؤكدا أن المغاربة يستندون إلى تاريخ عريق ووعي جماعي صنع ملامح تلك المرحلة الفاصلة.
ويتفق نقاد السينما على أن حضور الأعمال التاريخية في الإنتاج السمعي البصري يعد ضرورة ثقافية واستراتيجية، ليس فقط لكونها تعيد سرد أحداث الماضي، بل لأنها تمثل وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية وبناء الصورة الذاتية للأمة.
ويرى المتخصصون أن غياب إنتاج وطني قوي يفتح المجال أمام الآخرين لتمثيل تاريخ البلاد بمنظور خارجي غالبا ما يكون مشوها أو مبتورا، كما حدث في بعض الأعمال الأجنبية والعربية التي قدمت روايات غير دقيقة عن تاريخ شمال إفريقيا، مؤكدين أن الاستثمار في الدراما التاريخية لا يهدف فقط إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى ربطه بأسئلة الحاضر وتعزيز وعي الأجيال بالتحولات التي صنعت الهوية المغربية.
ويشدد النقاد في تصريحات للجريدة على أن التجارب العالمية تؤكد القيمة الفنية والاقتصادية للأعمال التاريخية، إذ تحظى بأكبر الميزانيات وتحقق حضورا واسعا في المهرجانات وقاعات السينما، كما هو الحال في كلاسيكيات السينما الأمريكية والروسية وصولا إلى أعمال معاصرة مثل “أوبنهايمر” و”نابوليون”، إذ وحتى الدول ذات الإنتاج المحدود تسعى جاهدة إلى إنجاز أفلام تاريخية تُبرز وجودها في المشهد العالمي، كما فعلت السينما الفلسطينية والليبية.
وفي المقابل، ينبه المتابعون إلى أن السينما المغربية لم تمنح هذا الصنف ما يستحقه من اهتمام، معتبرين أن تطوير الإنتاج التاريخي بات ضرورة لتعزيز الحضور الثقافي للمغرب وصورته في المشهد السمعي البصري الدولي.

