يقين 24/ حليمة صومعي
في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة ثقيلة حول سلامة البنايات ورقابة القطاع، ارتفعت حصيلة ضحايا انهيار عمارات فاس إلى 22 وفاة، في واحدة من أكثر الحوادث إيلاماً خلال السنوات الأخيرة. وبين هول الفاجعة واندلاع النقاشات، يبرز سؤال جوهري: من يتحمّل المسؤولية؟
تبدو المعطيات الأولية كافية لفتح تحقيق عميق، ليس فقط لمعرفة الأسباب التقنية المباشرة، بل لتحديد سلسلة المسؤوليات التي قد تكون امتدت من مراحل الترخيص إلى التشييد ثم المراقبة. فالحادث لا يمكن اختزاله في انهيار بناية، بل هو انهيار لمنظومة يفترض أن تضمن السلامة العامة.
المؤشرات الأولية تتحدث عن احتمال وجود اختلالات في معايير البناء، أو غياب صرامة في تتبع الأشغال، أو تراخٍ في مراقبة الجودة، وهي فرضيات إن تأكدت ستستدعي محاسبة دقيقة لكل المتدخلين: من مهندسين وتقنيين ومكاتب دراسات، إلى المنتخبين والسلطات الإدارية الذين يقع على عاتقهم أن لا تُسلَّم رخص إلا بعد احترام الشروط التقنية والقانونية.
في فاس، كما في مدن أخرى، يتكرر المشهد ذاته: أوراش تنمو بسرعة، مراقبة محدودة، ونتائج كارثية تظهر عند أول اختبار. المواطنون اليوم لا يطالبون فقط بكشف الحقيقة، بل بضمان ألا تتحول المدن إلى فضاءات مهدّدة بالسقوط فوق رؤوس ساكنيها.
ولأن الفاجعة أكبر من أن تمر مرور العابر، فإن الرأي العام ينتظر من التحقيقات أن تكون شفافة، غير انتقائية، وشجاعة في إعلان المسؤوليات، كيفما كان موقع المتورطين. فالأرواح التي زهقت ليست أرقاماً في بلاغ رسمي، بل عائلات مكلومة ومدينة تعيش صدمة تحتاج إلى إصلاحات جوهرية، لا مجرد ترتيبات ظرفية.
إن ما وقع في عمارات فاس يجب أن يتحوّل إلى ناقوس يقظة لإعادة النظر في طرق منح الرخص، ومراقبة الأوراش، والتعامل بصرامة مع أي تلاعب أو تهاون. فالأمن السكني ليس امتيازاً، بل حقٌّ أساسي لا يقبل المجازفة.
الفاجعة مؤلمة، لكن الأكثر إيلاماً أن تُطوى دون محاسبة. والمسؤولية تبدأ من سؤال بسيط وجريء:
من كان يعلم، ومن سمح، ومن غضّ الطرف؟

