يقين 24
في ظل الاستعدادات المتواصلة لاحتضان نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2025، المقررة انطلاقتها في 21 دجنبر الجاري، تتصاعد داخل الأوساط الطبية والعلمية مخاوف مرتبطة بسياق وبائي مقلق، مع تسجيل مؤشرات على موسم إنفلونزا مبكر وشديد، ما يطرح تساؤلات متزايدة حول جاهزية المنظومة الصحية الوطنية لتدبير مخاطر التجمعات الجماهيرية الكبرى.
وتشير معطيات متداولة بين مهنيي الصحة إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الإصابة بأعراض شبيهة بالإنفلونزا منذ منتصف شهر نونبر، بوتيرة وحِدّة غير معتادتين مقارنة بالسنوات السابقة. ويرجّح مختصون أن يكون هذا المنحى مرتبطًا بظهور سلالة فرعية جديدة من فيروس الإنفلونزا A(H3N2)، راكمت خلال صيف 2025 طفرات جينية ساعدتها على الإفلات الجزئي من المناعة المكتسبة، ما سهّل انتشارها السريع عبر عدد من المناطق، قبل تسجيل أولى مؤشرات حضورها داخل المغرب، في انتظار المعطيات الرسمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
ورغم حساسية الظرف، لم تُعلن الوزارة، إلى حدود الساعة، عن بروتوكول وقائي خاص بتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى في هذا السياق الوبائي، سواء تعلق الأمر بإجراءات المراقبة الصحية داخل الملاعب، أو بتدبير توافد عشرات الآلاف من المشجعين القادمين من الخارج، أو بالاحتياطات المرتبطة بوسائل النقل، والفنادق، والفضاءات المغلقة التي يُرتقب أن تعرف كثافة بشرية استثنائية خلال فترة المنافسات.
ويحذر مهنيون من أن التزامن بين موسم إنفلونزا قوي وسريع الانتشار، وتنظيم تظاهرة قارية بحجم كأس إفريقيا، قد يخلق ظروفًا مواتية لظهور بؤر وبائية محلية، خصوصًا في المدن المستضيفة. كما ينبهون إلى أن أي تأخر في استباق السيناريوهات المحتملة قد يؤدي إلى ضغط إضافي على المستشفيات، وأقسام المستعجلات والإنعاش، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية أصلًا من خصاص في الموارد البشرية واكتظاظ موسمي متكرر.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول تدبير المخاطر الصحية المرتبطة بالأحداث الكبرى، حيث يستحضر متابعون قرار المغرب سنة 2015 الاعتذار عن تنظيم كأس إفريقيا للأمم، بسبب مخاوف آنذاك من انتشار وباء إيبولا في بعض الدول الإفريقية، رغم عدم تسجيل أي حالة داخل التراب الوطني. ويعتبر هؤلاء أن المفارقة اليوم تكمن في بروز خطر وبائي فعلي، في ظل غياب تواصل رسمي واضح، ما يُفهم منه، بحسب تعبيرهم، إما التقليل من حجم التحدي أو الرهان على مرور الحدث دون اضطرابات صحية كبرى.
وتفيد تقديرات غير رسمية بأن السلالة المنتشرة حاليًا قد تتسبب في أعراض أشد، مع ارتفاع احتمال المضاعفات لدى الفئات الهشة، من قبيل كبار السن، والمصابين بأمراض مزمنة، والنساء الحوامل، والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، إضافة إلى الأطفال الصغار، ما يرفع من نسب الاستشفاء ويضاعف مخاطر إنهاك القطاع الصحي في حال تزامن انتشار العدوى مع ذروة التوافد الجماهيري.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه المعطيات العلمية أن اللقاحات الموسمية المعتمدة هذا الموسم لا تتطابق بشكل كامل مع السلالة الجديدة، إلا أنها تظل، وفق المختصين، فعالة في الحد من الحالات الخطيرة والوفيات. وهو ما يعيد طرح سؤال السياسة التواصلية المعتمدة، ومدى انخراط السلطات الصحية في تحسيس الفئات المعنية، وتشجيع التلقيح، وتقديم معطيات دقيقة للرأي العام، دون تهوين أو تهويل.
ويجمع متابعون على أن تنظيم كأس إفريقيا للأمم يشكل مكسبًا رياضيًا واقتصاديًا وصورة إيجابية للبلاد، غير أن الحفاظ على هذا المكسب يمر، في نظرهم، عبر اعتماد مقاربة وقائية واضحة وشفافة، توازن بين متطلبات التنظيم وضرورات السلامة الصحية، تفاديًا لتحول العرس الكروي إلى عبء صحي، أو إلى اختبار صعب لقدرة النظام الصحي على الصمود أمام ضغط مزدوج، وبائي وجماهيري، في آن واحد.

