يقين 24
عاد ملف التعليم الأولي إلى واجهة النقاش العمومي، بعد تفجر حالة من التوتر داخل أوساط مربيات ومربي القطاع بإقليم تندرارة، على خلفية عقود عمل وُصفت من قبل فاعلين نقابيين ومهنيين بأنها تتضمن شروطًا مجحفة وتكرّس الهشاشة المهنية، في قطاع يُفترض أن يشكل إحدى ركائز إصلاح المنظومة التربوية.
وحسب معطيات حصلت عليها نيشان، فقد تفاجأ عدد من الأطر التربوية بصيغ تعاقدية جديدة تتضمن التزامات مشددة وغير مألوفة في علاقات الشغل، سواء من حيث بنود الحصرية والسرية، أو من حيث الآثار القانونية والمالية المترتبة عن فسخ العقد.
وتفيد نماذج من هذه العقود، التي اطلعت عليها نيشان، بوجود بند للحصرية يمنع المربي أو المربية من مزاولة أي نشاط مهني آخر، حتى وإن كان غير منافس، إلى جانب مقتضيات واسعة تتعلق بالسر المهني تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء العلاقة التعاقدية. كما تنص العقود على إجراءات تأديبية صارمة قد تصل إلى الطرد، مع إلزام المعنيين بأداء تعويضات مالية جزافية لا تقل عن 100 ألف درهم، مع عدم استبعاد اللجوء إلى المتابعة القضائية.
وأثارت هذه الشروط تساؤلات واسعة حول مدى تناسبها مع طبيعة العمل في التعليم الأولي، ومع الوضعية الاجتماعية لفئة تشتغل في قطاع يوصف بالحساس والهش، وتتقاضى أجورًا محدودة، في ظل غياب ضمانات حقيقية للاستقرار المهني.
واعتبرت مصادر مهنية أن هذه الصيغ التعاقدية لا توفر أي حماية فعلية للمربيات والمربين، خاصة في ظل ربط استمرارهم في العمل بديمومة الشراكات بين الوزارة الوصية والجمعيات المدبرة، ما يجعلهم عرضة لفقدان مناصبهم في أي وقت، ودون تعويض أو تغطية اجتماعية كافية، رغم سنوات من العمل داخل أقسام التعليم الأولي وفي ظروف صعبة.
وفي هذا السياق، أصدرت النقابة الوطنية لأساتذة وأستاذات التعليم الأولي، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فرع تندرارة، بيانًا استنكاريًا عبّرت فيه عن رفضها لما وصفته بـ“العقود المجحفة”، معتبرة أنها تحوّل علاقة الشغل إلى أداة للضغط والترهيب، وتفتح الباب أمام الطرد التعسفي دون ضمانات قانونية.
وحمّلت النقابة الجهات الوصية والمسؤولة كامل المسؤولية، معتبرة أن تمرير هذه العقود أو الصمت عنها يُعد مساسًا بكرامة الشغيلة التعليمية، وتنكرًا لسنوات من العمل والتضحيات داخل قطاع التعليم الأولي.
ويأتي هذا المستجد في سياق وطني يتسم باستمرار الجدل حول نموذج تدبير التعليم الأولي، خاصة عقب التصريحات البرلمانية التي أدلى بها وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، خلال شهر نونبر الماضي، والتي تحدث فيها عن توجه نحو تمديد مدة التعاقد بين الوزارة والجمعيات إلى خمس أو ست سنوات، وهي تصريحات قوبلت بانتقادات نقابية واسعة، اعتُبرت تكريسًا لمنطق التدبير المفوض، وإبعادًا لسيناريو الإدماج في الوظيفة العمومية.
وكانت فعاليات نقابية قد نبهت، في أكثر من مناسبة، إلى أن تمديد مدة التعاقد لا يعالج جوهر الإشكال، بل قد يمنح غطاءً زمنياً لأوضاع تتعارض مع مقتضيات قانون الشغل، الذي يحدد سقف العقود محددة المدة ويفرض الانتقال إلى العقود غير المحددة في حالات معينة. كما أثارت اختلالات أخرى مرتبطة بالأجور، والترقيات، وتوسيع مهام المربين خارج إطارها البيداغوجي.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن ملف التعليم الأولي مرشح لمزيد من الاحتقان، في وقت تتسع فيه الهوة بين الخطاب الرسمي الداعي إلى تعميم هذا القطاع وتثمين موارده البشرية، والواقع المهني اليومي الذي تعيشه المربيات والمربون، في ظل عقود عمل يراها مهنيون تفتقر إلى أبسط شروط الأمان والاستقرار.

