يسرى اتباتو
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه
لم يعد الاعتقال الاحتياطي مجرد إجراء تقني في مسار الدعوى العمومية، بل أصبح اليوم في صلب النقاش الحقوقي والقانوني، باعتباره أحد أكثر التدابير مساسًا بالحرية الفردية. وفي هذا السياق، يأتي قانون المسطرة الجنائية الجديد حاملاً معه فلسفة مغايرة تسعى إلى إعادة الاعتبار لهذا الإجراء بوصفه تدبيرًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى، انسجامًا مع الدستور والالتزامات الدولية للمملكة.
لقد ظل الاعتقال الاحتياطي، لعقود، محل انتقاد بسبب اتساع نطاق اللجوء إليه، وتحوله في بعض الحالات إلى عقوبة مقنّعة تسبق صدور الأحكام، وهو ما أفرز اختلالات عميقة على مستوى قرينة البراءة، وأثقل كاهل المؤسسات السجنية، وأثار تساؤلات مشروعة حول فعالية البدائل الممكنة.
من الإطلاق إلى التقييد: فلسفة جديدة للاعتقال الاحتياطي
القانون الجديد للمسطرة الجنائية يعكس تحولًا واضحًا في المقاربة التشريعية، حيث تم التأكيد صراحة على أن الاعتقال الاحتياطي إجراء استثنائي، لا يُتخذ إلا إذا ثبت عدم كفاية باقي التدابير البديلة، مثل المراقبة القضائية أو الكفالة أو المنع من السفر. هذا التحول يعكس وعيًا تشريعيًا متزايدًا بخطورة المساس بالحرية قبل صدور حكم نهائي.
كما عزز المشرع من تعليل قرارات الاعتقال، إذ لم يعد كافيًا الاكتفاء بتبريرات عامة، بل أصبح لزامًا على السلطة القضائية إبراز مبررات دقيقة وملموسة، مرتبطة بوقائع القضية، كخطر الفرار، أو التأثير على الشهود، أو تهديد النظام العام.
القاضي في قلب المعادلة: مسؤولية تقديرية ورقابة مشددة
ومن أبرز مستجدات القانون الجديد، تعزيز دور القاضي في مراقبة مشروعية وجدوى استمرار الاعتقال الاحتياطي، من خلال إخضاعه لمراقبة دورية، وإمكانية مراجعته كلما انتفت مبرراته. وهو ما يجعل القاضي فاعلًا محوريًا في التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الأفراد.
هذا الدور لا يقتصر على لحظة اتخاذ القرار، بل يمتد إلى تتبع مدى احترام الآجال القانونية، تفاديًا لتحول الاعتقال الاحتياطي إلى احتجاز تعسفي مقنّع.
بدائل الاعتقال: رهان الإصلاح الحقيقي
الرهان الأكبر الذي يطرحه قانون المسطرة الجنائية الجديد لا يكمن فقط في تقليص اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، بل في تفعيل بدائله على أرض الواقع. فنجاح النص القانوني يظل رهينًا بمدى استعداد المنظومة القضائية لتبني هذه البدائل، وتطوير آليات مراقبتها، وضمان فعاليتها دون المساس بسير العدالة.
بين النص والتطبيق: تحدي المرحلة المقبلة
ورغم ما يحمله القانون الجديد من مكاسب مهمة، يبقى التحدي الحقيقي في حسن تنزيل هذه المقتضيات، وتوحيد الممارسة القضائية، وتكريس ثقافة قانونية جديدة تعتبر الحرية هي الأصل، والاعتقال هو الاستثناء.
إن الاعتقال الاحتياطي في صيغته الجديدة ليس مجرد تعديل تشريعي، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام المنظومة القضائية بروح الدستور، واحترامها لحقوق الإنسان، وقدرتها على التوفيق بين حماية المجتمع وصون كرامة الأفراد

