عبد الإله شفيشو/فاس
لا يمكن فهم ما يجري في غَـــــزّة بمعزل عن السياق الدولي حيث يشهد النظام العالمي إنزياحا متزايدا نحو سياسة المعايير المزدوجة فعلى الرغم من تقارير أممية من خطر المجاعة الشاملة بغَـــــزّة لم نشهد إرادة دولية جادة في فرض ممرات إنسانية حقيقية أو وقف العدوان، فهذا التراخي ليس وليد العجز بل هو إنعكاس واضح لتفاهم غير معلن بين الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية (مثل فرنسا وبريطانيا) على إبقاء غَـــــزّة تحت الضغط بإعتباره ورقة إستراتيجية ضمن ترتيبات ما يُعرف بـالشرق الأوسط الجديد وبعض الأطراف الإقليمية توظّف المأساة كأداة تفاوض بين مسارات تطبيع مشروط أو تفاهمات أمنية وإقتصادية تندرج ضمن الصفقات الكبرى، وعبر التاريخ إستُخدم التجويع كسلاح لـإخضاع الشعوب كما حصل في جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى وفي مجازر الأرمن والآشوريين ولاحقا في البوسنة والهرسك وحاليا في فلسطين وفي كل حالة كان الهدف تفكيك النسيج المجتمعي ودفع السكان إلى النزوح أو الخضوع القسري وليس مجرد آثار جانبية للحرب.
وتشير بعض التحركات واللقاءات العلنية والسرية إلى أن الهدف الأبعد من التجويع قد لا يكون فقط كسر المقاومة بل إحداث تغيير ديمغرافي قسري عبر:
1) تفريغ غَـــــزّة من سكانها بدفعهم نحو الهجرة القسرية إلى الجنوب أو إلى خارج القطاع بفتح معابر مؤقتة لعبور المدنيين وهو ما يعيد إلى الأذهان نماذج الترحيل الناعم،
2) إحداث شرخ داخل المجتمع الفلسطيني بما يُمهّد لإعادة تشكيل النسيج السياسي والإجتماعي بما يتوافق مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية طويلة المدى،
3) التصفية البطيئة فإستمرار الحصار والتجويع مع تدخلات إنسانية محدودة تُبقي السكان على حافة الحياة دون قدرة على النهوض لتفريغها من ثقلها السياسي والديمغرافي.
ومن حيث أكتب ومن بين كتبي وأوراقي أعلم تماما أنني لا أُتقاسم مع شعب غَـــــزّة جوعهم ولا ألم الخبز الممنوع ولا حليب الأطفال المقطوع لكنني كإنسان على هذه الأرض أحمل معهم هموم ومسؤولية المعركة الأخطر وهي ألّا نسمح للعالم أن يُفرغهم من معناهم أو يعرضهم كضحايا صامتين بلا تاريخ فالجائع ليس أخرس بل هو مُحاصَر بالصورة، فحين يُسلب الجسد الغذاء يصبح الإدراك هو ساحة المعركة الوحيدة المتاحة وهنا تبدأ المقاومة الإدراكية في إعادة تعريف الجوع كفعل إحتلال لا كقدر إنساني وفضح المساعدات كبديل عن الكرامة لا كإنقاذ وتحويل كل مشهد مجاعة إلى صرخة سياسية لا مجرد صورة شفقة.
ولما يراهنون على أن غَـــــزّة ستصرخ أولا وأن الناس سيكفرون بالمقاومة قبل أن يكفروا بالإحتلال لكن هذا الرهان جُرّب من قبل وإنهزم في كل مرة جربته الإمبراطوريات ضد الشعوب في فيتنام والجزائر، ولبنان… وفلسطين وسقطت الإمبراطوريات، فما لا يفهمه صانعوا الحصار أن هذه البقعة التي حوّلوها المحتل ومن يسانده إلى جوع ستتحوّل إلى شرارة ليس لأنها تملك القوة بل لأنها لا تملك ما تخسره وهذه أخطر معادلة في علم الصراع، فأخطر ما يمكن أن يُنجز الآن هو بناء خطاب مقاوم من داخل الألم لا ينتظر الفرج من الخارج بل يزرع من تحت الركام سردية تصنع الضغط لا تستهلكه.
وسأرد على من يتساءل ويشك عن أن غَـــــزّة قد تُفجّر موازين الإقليم وأن الطفل الذي يبحث عن طعام اليوم قد يفرض غدا معادلة تفاوض دولي !؟، فحين يُستخدم الجوع كسلاح فهذه ليست نهاية المعركة بل بداية فصلها الأخطر والتاريخ لمن يقرؤُه دون وهم يخبرنا أن المجاعات لا تُسقط الحركات التحررية بل تُسقط الأقنعة، وما يحدث اليوم ليس لتصفية غَـــــزّة بل لتصفية فكرة أن شعبا بلا دولة قادر على فرض معادلة ضد الجغرافيا، وهكذا يفاجئنا التاريخ دوما من مكانٍ نظن أنه إنتهى ينبثق التغيير وحين يحدث لن يُقال إن غَـــــزّة إنتصرت بل سيُقال أخطأ الذين أجاعوا شعبا قبل أن يفهموا ذاكرته.