محسن خيير
بعد أكثر من أربعة عقود من الدراسات والانتظار، عاد مشروع النفق البحري الذي سيربط بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق إلى الواجهة من جديد، ليخطو خطوة متقدمة نحو التنفيذ. هذا المشروع، الذي وُقع اتفاقه الأول عام 1980، ظل حبيس الأدراج لعقود قبل أن تعلن الرباط ومدريد في أبريل 2023 إعادة إطلاقه بدعم سياسي ومالي متجدد.
أحدث التطورات تمثلت في توقيع عقد مع شركة بريطانية لتأمين خدمات الاتصال والربط الرقمي لفريق التخطيط المسؤول عن المشروع، بقيمة سنوية قدرها 24,461 يورو ولمدة عامين، أي ما يعادل حوالي 29,589 يورو شاملة الضرائب. العقد يضمن سرعة اتصال تبلغ 1 جيغابِت/ثانية مع دعم تقني متواصل، ونظام مراقبة على مدار الساعة، وإمكانية رفع السعة بنسبة 50% عند الحاجة، إضافة إلى حزمة من عناوين IP العمومية لتأمين الاتصال عبر الشبكات الافتراضية الخاصة.
على الجانب الآخر، استفادت الشركة الإسبانية العمومية SECEGSA، المسؤولة عن دراسات الجدوى، من دعم مالي غير مسبوق بفضل آلية الانتعاش والمرونة التابعة للاتحاد الأوروبي، حيث ارتفع تمويلها من أقل من 100 ألف يورو عام 2022 إلى أكثر من 4.7 ملايين يورو في 2024. هذه القفزة التمويلية تعكس جدية متزايدة من الجانب الأوروبي في مواكبة المشروع وتعزيز فرص إنجازه.
النفق المزمع إنشاؤه سيخصص للقطارات فقط، ويمتد بطول يقارب 60 كيلومترًا، منها 28 كيلومترًا تحت مياه البحر، مما سيجعله أحد أطول الأنفاق البحرية في العالم متجاوزًا نفق المانش الذي يربط بين بريطانيا وفرنسا بطول 50.5 كيلومترًا.
الأبعاد الاستراتيجية للمشروع لا تقل أهمية عن إنجازه الهندسي، إذ يتوقع أن يحدث تحولًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا كبيرًا من خلال تسهيل حركة البضائع والركاب، وتعزيز التكامل بين ميناءي طنجة-ميد والجزيرة الخضراء، وترسيخ دور المغرب وإسبانيا كجسر استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا.
ومع ذلك، لا يزال المشروع يواجه تحديات معقدة، أبرزها المخاطر الزلزالية في المنطقة، وصعوبة الحفر تحت قاع المضيق، إضافة إلى التعقيدات المالية والتنظيمية العابرة للحدود. لكن الإرادة السياسية الواضحة والدعم الأوروبي المتزايد يمنحان المشروع زخمًا جديدًا قد يجعله يتحول من حلم طال انتظاره إلى إنجاز استراتيجي يغير وجه المنطقة في العقد المقبل.