بقلم: إيمان سهير
لم تعد الفيضانات في المغرب حوادث عرضية تُختزل في صور طرق غارقة ومنازل متضررة، بل تحوّلت إلى مؤشر بنيوي على هشاشة منظومة التهيئة الحضرية، وضعف إدماج مخاطر الكوارث في التخطيط المجالي، وتفاوت الاستعداد بين الجهات. ومع تزايد وتيرة الأمطار المركزة زمنياً بعد سنوات من الجفاف، بات واضحًا أن سؤال الفيضان لم يعد مناخيًا فقط، بل تنمويًا وتدبيريًا بامتياز.
خريطة الأضرار: أين يتركز الخطر؟
تُظهر المعطيات الميدانية والتقارير الرسمية والإعلامية أن الأضرار الكبرى تتركز في ثلاث دوائر جغرافية رئيسية:
1. المناطق الساحلية والمنخفضة
مثل آسفي وبعض المدن الساحلية، حيث يؤدي تلاقي التوسع العمراني مع ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار إلى سيول مفاجئة.هذه المناطق تجمع بين:
كثافة سكانية مرتفعة
تمدد عمراني فوق أراضٍ منخفضة
شبكات صرف قديمة أو غير كافية
2. مجاري الأودية والمناطق شبه الحضرية
في عدد من الأقاليم، أُقيمت أحياء سكنية وتجزئات فوق مجاري أودية موسمية، ما يجعلها عرضة مباشرة للغمر عند أي تساقطات قوية.
3. المناطق القروية والجبلية
خصوصًا في الأطلس والمناطق الداخلية، حيث تتسبب الفيضانات في:
تدمير الطرق والمسالك
عزل الدواوير
خسائر فلاحية مباشرةمع صعوبة التدخل السريع بسبب التضاريس وضعف التجهيزات.
هذه الخريطة تتقاطع مع ما تؤكده تقارير دولية حول أن التمدن غير المنظم هو العامل الأول في تضخيم أثر الفيضانات.
العامل المناخي: أمطار أقل… لكن أشد
بحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية، يشهد المغرب تحوّلًا في نمط التساقطات يتمثل في:
انخفاض المعدل السنوي العام للأمطار
مقابل ارتفاع شدة الأمطار في فترات قصيرة
هذا النمط، المرتبط بالتغير المناخي، يجعل التربة الجافة عاجزة عن امتصاص المياه، فيتحول المطر بسرعة إلى جريان سطحي خطير، المديرية العامة للأرصاد الجوية – التغيرات المناخية.
وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن دول حوض المتوسط، ومن بينها المغرب، ستشهد تزايدًا في الظواهر المناخية المتطرفة، ومنها الفيضانات المفاجئة.
التخطيط والبنية التحتية: حين يتحول الخلل إلى خطر
تكشف الفيضانات المتكررة عن اختلالات واضحة، أبرزها:
شبكات صرف غير مهيأة لأمطار غزيرة
غياب الصيانة الدورية
توسع عمراني لا يراعي خرائط المخاطر
ضعف إدماج الدراسات الهيدرولوجية في منح الرخص
وتشير دراسات هندسية إلى أن نسبة كبيرة من خسائر الفيضانات تعود لعوامل بشرية، وليس لقوة الطبيعة وحدها.
المعطى المؤسساتي: ما بين الجهود وحدود الفعالية
أطلقت الدولة المغربية خلال السنوات الأخيرة برامج للحماية من الفيضانات، من بينها:
مشاريع تهيئة الأودية
صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية
برامج إنذار مبكر
غير أن تقارير تقييم المخاطر تؤكد أن الاستثمار في الوقاية لا يزال دون مستوى التحديات المناخية الحالية، وأن التركيز غالبًا ما يكون على التدخل بعد الكارثة بدل منعها.
الكلفة الاقتصادية والاجتماعية
وفق معطيات البنك الدولي:
تكلف الكوارث الطبيعية المغرب نحو 0.6% من الناتج الداخلي الخام سنويًا
الفيضانات تُعد من أكثر الكوارث تكلفة بسبب تكرارها وتأثيرها المباشر على السكن والبنية التحتية
هذه الخسائر لا تُقاس فقط بالأرقام، بل أيضًا بـ:
هشاشة اجتماعية متزايدة
فقدان مصادر العيش
ضغط إضافي على الجماعات الترابية
خلاصة: من تشخيص الخطر إلى سياسة وقائية
ما تكشفه الفيضانات المتكررة في المغرب هو الحاجة الملحّة إلى:
خريطة وطنية محينة لمخاطر الفيضانات تُدمج في التخطيط العمراني
منع البناء في المناطق المصنفة خطرة
تحديث شبكات الصرف وفق سيناريوهات مناخية متطرفة
تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والتوعية المجتمعية
ربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المخاطر
الفيضانات ليست قدراً أعمى… بل نتيجة تفاعل الطبيعة مع اختيارات بشرية قابلة للتصحيح.
المراجع:
المديرية العامة للأرصاد الجوية – المغرب
البنك الدولي
IPCC
UNDRR


