بقلم: أحمد الطلحي
خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية
يتوفر المغرب على تجربة رائدة ومتراكمة في مجال معالجة الدور الآيلة للسقوط والبنايات المتدهورة بصفة عامة، غير أن الإشكال الأساسي الذي يحد من نجاعة هذه الجهود لا يكمن في غياب الخبرة أو ضعف الإطار التقني، بقدر ما يرتبط بندرة الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة لتعميم هذه التجارب وضمان استدامتها.
وتُعد تجربة وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس من أهم النماذج المرجعية في هذا المجال، خاصة في ما يتعلق بصيانة النسيج العمراني للمدن العتيقة. فقد انطلقت هذه التجربة منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، بقيادة رائد العمارة الإسلامية بالمغرب، الأستاذ المهندس عبد اللطيف الحجامي، مؤسس المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، والذي أسهم بشكل كبير في ترسيخ مقاربة علمية دقيقة في التعامل مع التراث المعماري، وتكوين أجيال من المهندسين المعماريين المتخصصين في هذا المجال.
إلى جانب هذه التجربة الرائدة، برزت خلال السنوات الأخيرة تجربة الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، التي اعتمدت مقاربة أكثر شمولية، تتجاوز حدود المدن العتيقة لتشمل البنايات المهددة بالانهيار، سواء كانت ذات قيمة تاريخية أو بنايات حديثة. وتؤكد هذه التجربة أن المغرب راكم خبرة تقنية معتبرة، قادرة على مواكبة التحديات المطروحة في هذا المجال.
غير أن التحدي الحقيقي يظل متمثلًا في توفير اعتمادات مالية كافية، وتوسيع قاعدة المتدخلين المؤهلين، عبر تعميم الخبرة على المقاولات ومكاتب الدراسات، بما يضمن تدخلات أكثر نجاعة واستمرارية، ويحد من الطابع الظرفي لبعض العمليات.
أما فيما يتعلق بتحديد الأولويات، خاصة داخل الأنسجة العمرانية العتيقة، فإن الأمر يخضع لمعايير دقيقة، ترتبط أساسًا بالحالة الفيزيائية للبناية ومستوى تدهورها، والقيمة المعمارية والثقافية والفنية التي تحملها، إضافة إلى قيمتها التاريخية. وتشكل هذه العناصر مجتمعة أساسًا علميًا لاتخاذ القرار بخصوص نوعية التدخل المطلوبة.
وانطلاقًا من هذه المعايير، يتم اعتماد أربعة أنماط رئيسية للتدخل. يتعلق الأمر أولًا بـالتجديد، الذي يشمل الهدم الكلي أو الجزئي وإعادة البناء، ثم التدعيم، الذي يهم تقوية العناصر البنيوية الأساسية، يليه رد الاعتبار، الذي يركز على إصلاح البناية وتجهيزها وظيفيًا، وأخيرًا الترميم، وهو أدق أشكال التدخل، ويهدف إلى المحافظة على الخصائص الأصلية للبناية، سواء من حيث العناصر المعمارية أو مواد البناء، عبر تدخلات دقيقة تشبه العمليات الجراحية.
وفي جميع الحالات، تظل الساكنة في صلب عملية التدخل، إذ يتم إيواؤها مؤقتًا في ظروف ملائمة، مع ضمان عودتها إلى مساكنها الأصلية بعد انتهاء الأشغال. وفي الحالات التي تستدعي تخفيض الكثافة السكانية، يتم توفير حلول بديلة لإعادة إسكان الأسر المعنية، بما يضمن السلامة ويحافظ على التوازن الاجتماعي للنسيج العمراني.
وخلاصة القول، فإن معالجة إشكالية الدور الآيلة للسقوط بالمغرب ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي رهان تنموي وثقافي يتطلب إرادة سياسية واضحة، واستثمارات مستدامة، وتنسيقًا محكمًا بين مختلف المتدخلين، من أجل حماية الأرواح، وصون التراث، وتحقيق تنمية حضرية متوازنة تحترم الإنسان والمكان معًا.

