يقين 24
كشفت دراسة علمية حديثة معطيات جيولوجية لافتة تعيد طرح نقاش ظل طويلًا حبيس الأوساط الأكاديمية، مفادها أن القارة الأوروبية تواصل تقاربها التدريجي مع القارة الإفريقية، وأن هذا المسار قد يفضي، على المدى الجيولوجي البعيد جدًا، إلى اختفاء مضيق جبل طارق وظهور اتصال بري مباشر بين المغرب وأوروبا.
ووفق ما جاء في الدراسة، التي أنجزها فريق بحثي من جامعة إقليم الباسك ونُشرت في مجلة Gondwana Research المتخصصة، فإن الصفيحة الإفريقية تواصل منذ ملايين السنين زحفها شمالًا بمعدل يتراوح بين 4 و6 مليمترات سنويًا. ورغم بطء هذه الحركة، فإنها تُعد من أبرز العوامل التي أعادت تشكيل الخريطة الجيولوجية لحوض البحر الأبيض المتوسط عبر العصور.
ويشير الباحثون إلى أن هذا التقارب ليس ظاهرة حديثة، بل يعود إلى مرحلة تفكك القارة العملاقة “بانجيا”، وأسهم في تشكّل سلاسل جبلية كبرى، من بينها جبال الريف شمال المغرب، ونظيرتها “البيتيك” جنوب إسبانيا، في تجسيد واضح لمسار التصادم بين الصفيحتين الإفريقية والأوراسية.
وتبرز الدراسة معطى إضافيًا ذا دلالة، يتمثل في تسجيل حركة دوران بطيئة لشبه الجزيرة الإيبيرية، التي تضم إسبانيا والبرتغال، في اتجاه عقارب الساعة، وهو سلوك جيولوجي يميز هذه المنطقة عن باقي أجزاء القارة الأوروبية. ويعزو العلماء هذا الدوران إلى آليات تصادم معقدة، حيث يتم امتصاص جزء من الضغط التكتوني شرق مضيق جبل طارق عبر تشوه القشرة الأرضية، بينما تتعرض الجهة الغربية لضغط مباشر من الصفيحة الإفريقية، ما يدفع شبه الجزيرة الإيبيرية إلى الانزلاق جنوبًا-غربًا بشكل تدريجي.
واعتمد الفريق العلمي في استخلاص هذه النتائج على تحليل أكثر من 2000 زلزال سُجلت بالمنطقة خلال فترة امتدت لنحو عشرين سنة، مكنت من قياس معدل دوران يناهز ما بين 0,1 و0,2 درجة لكل مليون سنة. ورغم أن هذا التغير غير محسوس على المدى الزمني البشري، إلا أنه يحمل دلالات عميقة عند إسقاطه على الزمن الجيولوجي الطويل.
وتخلص الدراسة إلى أن استمرار هذا المسار، بالوتيرة نفسها، قد يؤدي نظريًا إلى الإغلاق التدريجي للجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط، واختفاء مضيق جبل طارق، بما يفتح المجال لاتصال بري بين المغرب وإسبانيا، ومن ثم بين إفريقيا وأوروبا. غير أن الباحثين يشددون على أن هذا السيناريو يظل بعيدًا للغاية، إذ لا يُتوقع تحققه قبل ما لا يقل عن عشرة ملايين سنة.
ورغم الطابع النظري والبعيد لهذه الخلاصات، فإنها تسلط الضوء على الموقع الجيولوجي الحساس والاستراتيجي للمغرب عند ملتقى صفائح قارية كبرى، وتؤكد أن مضيق جبل طارق ليس مجرد معبر بحري ذي أبعاد اقتصادية وسياسية، بل فضاء جيولوجي نشط يخضع لتحولات عميقة تتجاوز بكثير الإطار الزمني للحضارة الإنسانية

