يقين 24
على بعد أشهر قليلة من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، دخل المشهد الحزبي المغربي مرحلة “الميركاتو السياسي” غير المعلن، حيث يستعد عدد من المنتخبين البارزين لتقديم استقالاتهم من مهامهم داخل مجالس وهيئات منتخبة، في خطوة استباقية تهدف إلى تغيير الانتماء الحزبي دون الوقوع تحت طائلة العقوبات القانونية المرتبطة بالترحال السياسي.
مصادر مطلعة كشفت أن قيادات في أحزاب من الأغلبية والمعارضة كثفت، خلال الأسابيع الماضية، تحركاتها لاستقطاب ما يُصطلح عليه داخل الكواليس بـ“الجوكيرات الانتخابية”، أي الأسماء القادرة على حسم الدوائر بأقل مجهود حزبي. سباقٌ تصدره، وفق نفس المصادر، حزبا التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، اللذان شرعا مبكراً في إعادة ترتيب الخريطة الانتخابية وضمان مواقع متقدمة قبل فتح صناديق الاقتراع.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذه العمليات لا تستهدف فقط سدّ الخصاص الذي تعاني منه بعض الدوائر، بل أيضاً تعويض أسماء وُصفت بـ“المحروقة انتخابياً”، تراجعت شعبيتها أو أصبحت عبئاً سياسياً، ما دفع الأحزاب إلى البحث عن وجوه جديدة بقديمة النفوذ، قادرة على تأمين النتائج دون كلفة تنظيمية كبيرة.
وبحسب المصادر ذاتها، فقد نجحت هذه المساعي في إقناع عدد من المنتخبين الكبار، خاصة في المدن الكبرى، بتغيير قبعتهم الحزبية خلال الانتخابات المقبلة، بعد مفاوضات وُصفت بـ“الدقيقة”، جرت في كواليس بعيدة عن الأضواء. في المقابل، لا يزال ملف “المترددين” مفتوحاً، وهم منتخبون فضّلوا تأجيل الحسم إلى آخر لحظة، في انتظار ما ستسفر عنه موازين القوة والعروض السياسية المطروحة.
وتضيف المصادر أن بعض الأمناء العامين لم يترددوا في الإشراف الشخصي على هذه العمليات، عبر استقبال برلمانيين ورؤساء جماعات ومنتخبين نافذين، سواء بمقرات رسمية أو في لقاءات خاصة، من أجل ترتيب تفاصيل “الانتقال الآمن”، وهو ما خلق حالة من التوتر داخل أحزاب أخرى باتت مهددة بفقدان رصيد انتخابي كانت تراهن عليه للحفاظ على حضورها المحلي.
ورغم الجدل الذي أثير خلال السنوات الماضية حول الترحال السياسي، وما رافقه من تعديلات قانونية أقرت عقوبات صارمة، من بينها التجريد من العضوية في المجالس المنتخبة، إلا أن الوقائع تشير إلى استمرار هذا السلوك، مع تطوير “صيغ التفاف” قانونية، أساسها الاستقالة المبكرة وتغيير الصفة قبل الدخول الرسمي في السباق الانتخابي.
هكذا، ومع اقتراب موعد الانتخابات، يتأكد مرة أخرى أن الصراع الحزبي لا يُحسم فقط عبر البرامج والخطاب، بل يُدار أيضاً في كواليس الاستقطاب والصفقات، حيث تتحول الديمقراطية التمثيلية إلى سباق أرقام وأسماء، أكثر منها تنافساً حول الرؤى والمشاريع.

