يقين 24
في سابقة سياسية لافتة، خرج هشام الصابري، كاتب الدولة المكلف بالتشغيل والمنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، عن الخطاب الحكومي المنضبط، موجهاً انتقادات غير مسبوقة لبرامج رسمية يفترض أنها تشكل العمود الفقري لسياسة التشغيل، في خطوة أربكت رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وعرّت حدود النجاعة الفعلية للخيارات المعتمدة في مواجهة البطالة المتفاقمة.
وخلال مشاركته في لقاء علمي بكلية الاقتصاد والتدبير ببني ملال حول “مهن المستقبل”، لم يتردد الصابري في الإقرار بفشل برامج مثل “أوراش” و“تدرج”، التي رُوّج لها طويلاً كحلول استراتيجية لأزمة الشغل، مؤكداً أنها لا تفرز مناصب عمل مستقرة ولا تعالج جوهر معضلة بطالة الشباب وحاملي الشهادات، بل تكتفي بحلول ظرفية تفتقر إلى أي أثر اقتصادي مستدام.

واعتبر كاتب الدولة أن هذه البرامج تقوم على منطق ترقيعي، يعتمد على إحداث جمعيات مؤقتة وضخ دعم مالي محدود مقابل أنشطة عابرة، دون خلق قيمة مضافة حقيقية أو إدماج فعلي في سوق الشغل، وهو ما يحولها، بحسب تعبيره الضمني، إلى آلية لتأجيل الأزمة الاجتماعية بدل مواجهتها، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي الذي قدمها كإنجازات كبرى للحكومة.
الأكثر إحراجاً للحكومة، هو إقرار الصابري بأن عدداً كبيراً من المستفيدين من هذه البرامج لا يجنون منها سوى تسجيل مؤقت في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، دون أي أفق للاستمرارية أو الاستقرار المهني، ما يجعل الأرقام المعلنة حول مناصب الشغل، في نظره، أقرب إلى مؤشرات ظرفية لتجميل الإحصائيات منها إلى حلول حقيقية لإدماج الشباب.
وكشف المسؤول الحكومي أن الدولة تنفق ما يفوق 8000 درهم عن كل مستفيد من برامج الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، وحوالي 5000 درهم في برامج مثل “تدرج”، وهي كلفة مالية مهمة، كان من الممكن توجيهها نحو مشاريع أكثر نجاعة، تفضي إلى خلق مقاولات حقيقية ومناصب شغل دائمة، بدل تبديد المال العام في برامج محدودة الأثر الاجتماعي والاقتصادي.

وفي ختام مداخلته، دعا الصابري إلى إعادة نظر جذرية في منظومة التشغيل، تقوم على توزيع واضح للاختصاصات بين القطاعات الحكومية، بحيث تضطلع وزارة التشغيل حصرياً بمهمة إحداث فرص الشغل، فيما يتكفل قطاعا التعليم العالي والتكوين المهني بالتأهيل، مع ربط صارم للدعم العمومي بخلق مناصب شغل حقيقية ومستدامة.
تصريحات الصابري، التي صدرت من داخل الأغلبية الحكومية نفسها، لا تعكس فقط تصدعاً في الخطاب الرسمي، بل تفتح أيضاً نقاشاً واسعاً حول جدوى سياسات التشغيل المعتمدة، وتضع حكومة أخنوش أمام مساءلة سياسية حقيقية بشأن وعودها الاجتماعية، في وقت يواصل فيه شبح البطالة ضغطه على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمملكة.

