يقين 24/ حليمة صومعي
صادق البرلمان المغربي على تعديلات هامة ضمن القانون رقم 03.23 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية، في خطوة تشريعية اعتبرها مهنيون في الحقل القضائي إعادة ضبط دقيقة لمنظومة الإثبات الجنائي، بما يوازن بين متطلبات مكافحة الجريمة وصيانة حقوق الأفراد، ويعزز في الآن ذاته مبدأ الاقتناع الصميم للقاضي المبني على التعليل والحجج الواقعية.
وتأتي هذه المستجدات في سياق نقاش طويل حول القوة الإثباتية لمحاضر الشرطة القضائية، التي كانت تحظى في السابق بمكانة شبه تلقائية داخل قاعات المحاكم، وهو ما أثار انتقادات واسعة بسبب إمكانية الاعتماد عليها رغم ما قد يشوبها من نواقص شكلية أو موضوعية. القانون الجديد وضع حداً لهذا الجدل من خلال التمييز بين المحاضر، حيث لم تعد جميعها تتمتع بنفس الحجية، بل حصر المشرع القوة القانونية المشددة في محاضر محددة مرتبطة بالجنح والمخالفات، مع اشتراط احترام شكليات دقيقة، من بينها المعاينة الشخصية لضابط الشرطة القضائية.
أما باقي المحاضر، فقد اعتُبرت مجرد تصريحات تخضع للسلطة التقديرية للمحكمة، التي أصبح لها الحق الكامل في استبعادها إذا لم تتوفر فيها شروط الدليل الجنائي المتين. ويمنح هذا التوجه للقضاء هامشاً أوسع في تقييم الأدلة، ويحد من أي اعتماد آلي على المحاضر في إصدار الأحكام.
وشملت التعديلات أيضاً مسألة شهادة متهم ضد متهم، التي كانت من أكثر النقاط إثارة للجدل على المستوى الحقوقي. فقد نص القانون صراحة على عدم جواز الاعتماد على هذه الشهادة وحدها للإدانة، ما لم تكن مدعومة بقرائن قوية ومنسجمة. واعتبر المشرع هذه التصريحات عناصر استئناس لا ترقى إلى مرتبة الشهادة القانونية الكاملة، خصوصاً وأنها تؤخذ دون أداء اليمين، الأمر الذي يفرض البحث عن أدلة مادية داعمة قبل بناء القناعة القضائية.
وفي سابقة تشريعية، أتاح القانون إمكانية الاستماع إلى ضابط الشرطة أو العون الذي نفذ عمليات الاختراق الأمني بصفته شاهداً محمياً، مع إحاطة هذا الإجراء بضمانات صارمة، من بينها عدم الكشف عن الهوية أو تعريض العنصر الأمني للخطر، وحصر اللجوء إلى هذه الشهادة في الحالات التي تكون فيها الوسيلة الوحيدة لإثبات الحقيقة، مع إخضاعها لمقتضيات قانونية خاصة تضمن الحماية والإجراءات العادلة.
وأكدت هذه التعديلات على مركزية تعليل الأحكام القضائية، حيث لم يعد اقتناع القاضي بالذنب كافياً في حد ذاته، بل أصبح ملزماً بتبرير هذا الاقتناع استناداً إلى أدلة وقرائن واقعية واضحة. وفي حال غياب الإثباتات القاطعة، كرس القانون مبدأ تفسير الشك لفائدة المتهم، باعتبار البراءة هي الأصل، وهو ما يعزز ضمانات المحاكمة العادلة ويقوي ثقة المتقاضين في العدالة الجنائية.
ويرى متابعون أن هذه الإصلاحات تمثل تحولا نوعيا في مقاربة الإثبات الجنائي بالمغرب، إذ تسعى إلى تحقيق عدالة أكثر توازناً وإنصافاً، تقوم على تمحيص الأدلة واحترام الحقوق، دون الإخلال بفعالية السياسة الجنائية في مواجهة الجريمة.

