يقين 24 – الرباط
دخل الجدل المتواصل حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة منعطفًا جديدًا، بعدما وجهت فيدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب رسالة مفتوحة إلى كل من رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووسيط المملكة، مطالبة بتدخل عاجل لوقف ما اعتبرته “انزلاقًا تشريعيًا خطيرًا” من شأنه المساس باستقلال مهنة الدفاع وتقويض ضمانات المحاكمة العادلة.
الرسالة، المؤرخة في فاتح يناير 2026، استندت إلى المرجعية الدستورية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، خاصة الفصل 161 من دستور 2011، الذي يخول للمجلس صلاحية النظر في القضايا المرتبطة بحماية حقوق الإنسان وضمان ممارستها، مع التأكيد على ضرورة احترام الالتزامات الدستورية والمعايير الدولية ذات الصلة.
وأكدت الفيدرالية أن مشروع القانون أحيل على مسطرة المصادقة الحكومية بعد مسار وصفته بـ”غير السليم”، تميز، بحسبها، بإقصاء الهيئات المهنية من حوار جدي ومسؤول، رغم حساسية النص وأثره المباشر على أحد أعمدة منظومة العدالة. وأشارت إلى أن مختلف مكونات الجسم المهني عبرت عن رفضها الصريح لمضامين المشروع، سواء عبر بيانات رسمية أو مواقف معلنة على الصعيد الوطني.
وسجلت الرسالة أن المشروع يتضمن مقتضيات تمس بالمرتكزات الأساسية لمهنة المحاماة، وفي مقدمتها الاستقلالية والحصانة، من خلال فتح المجال لتدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في شؤون المهنة، ومنح النيابة العامة والقضاء صلاحيات وصفتها بـ”غير المبررة”، مقابل تقليص دور الأجهزة المهنية المنتخبة.
وأضافت الفيدرالية أن النص المقترح يُفرغ الممارسة المهنية من مضمونها، عبر إحداث أنظمة جديدة غامضة، وتكريس أوضاع احتكارية، والتنصيص على استثناءات تمس جوهر وظيفة المحامي ودوره الدستوري، فضلاً عن إجراءات قد تُعيق الولوج المنصف إلى العدالة.
كما نبهت إلى أن المشروع يمس بعدد من المبادئ الدستورية، من بينها عدم رجعية القوانين، وحماية الحقوق المكتسبة، والمساواة أمام القانون، خصوصًا في ما يتعلق بالتمييز بين المحامي المغربي ونظيره الأجنبي. وحذرت، في السياق ذاته، من التنصيص على إمكانية تفتيش مكاتب المحامين، معتبرة ذلك مساسًا صريحًا بالحصانة المهنية وبالسر المهني، الذي يشكل ضمانة أساسية لحقوق المتقاضين.
وسجلت الفيدرالية أن مشروع القانون تجاهل التراكمات التشريعية والمهنية التي راكمتها المهنة على مدى سنوات، بما في ذلك توصيات المؤتمرات الوطنية لجمعية هيئات المحامين بالمغرب، ومخرجات الندوات والأرضيات المهنية التي أُنجزت في إطار نقاشات موسعة.
وأشارت إلى أن أول صيغة للمشروع وُضعت سنة 2019، قبل أن يتم سحبها وإعادة تداولها دون احترام مبدأ الاستمرارية المؤسساتية، ثم أعيد طرح مسودات لاحقة خارج الآليات التشاركية، وصولًا إلى إحالة نسخة مؤرخة في أكتوبر 2024 على الأمانة العامة للحكومة، قبل سحبها مجددًا تحت ضغط حراك مهني واسع.
واعتبرت الفيدرالية أن تمرير المشروع بصيغته الحالية ينذر بأزمة غير مسبوقة داخل قطاع العدالة، مذكّرة بأن مهنة المحاماة تُعد من أكبر المشغلين في القطاع الخاص، وعنصرًا أساسيًا في استقرار المعاملات الاقتصادية والاجتماعية، وجناحًا لا غنى عنه في منظومة العدالة.
ودعت الهيئة الحقوقية كلًا من المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة وسيط المملكة إلى تحمل مسؤوليتهما الدستورية، والتدخل لإعادة مشروع القانون إلى سكته الحقوقية السليمة، بما يضمن استقلال مهنة الدفاع، ويحمي حق التقاضي، ويصون أسس المحاكمة العادلة، مؤكدة استعدادها لخوض كل المسارات القانونية والمؤسساتية دفاعًا عن المهنة.

