أحمد زعيم
مع التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها العديد من المناطق المغربية عامة وإقليم الفقيه بن صالح خاصة، بات من المتوقع أن تتحول الأحياء والشوارع والساحات والأزقة إلى نقاط سوداء بسبب إختناق مجاري الصرف الصحي وطفحها، وما قد يرافق ذلك من أضرار مادية ومعاناة محتملة للساكنة. وتعقد الوضعية حقيقة أن جزءا كبيرا من مياه الأمطار والفيضانات القادمة من المناطق المرتفعة يتم توجيهها نحو شبكة الصرف الصحي بدل القنوات المخصصة لتصريف هذه المياه، مما يزيد الضغط على البنية التحتية ويكشف الخلل البنيوي في منظومة تصريف المياه.

شبكة الصرف الصحي، من حيث تصميمها ووظيفتها التقنية، موجهة أساسا لتصريف المياه العادمة، ولا تتحمل إستقبال كميات ضخمة من مياه الفيضانات، الأمر الذي يجعلها عرضة للإختناق السريع كلما ارتفع منسوب التساقطات. هذا الضغط غير المحسوب قد يؤدي إلى فيضان البالوعات وتسرب المياه إلى البنايات والشوارع والمنازل..، ويضاعف من وتيرة الأعطاب، ويرفع تكاليف الصيانة والإصلاح، دون أن يقدم حلا جذريا للمشكلة.
وتتجه أصابع الإتهام في هذا السياق إلى طمر عدد من قنوات تصريف مياه الفيضانات التي كانت تشكل متنفسا طبيعيا للمياه، حيث تم تغييبها في إطار مشاريع عمرانية متلاحقة لم تراع خصوصيات المجال ولا التوازنات البيئية والهيدرولوجية للمدينة. ومع توسع العمران الإسمنتي وإختفاء المساحات الخضراء والمجاري الطبيعية، ستبحث مياه الأمطار والفيضانات القادمة من المناطق المرتفعة عن مسارات بديلة داخل شبكة الصرف الصحي، وهو ما يفسر إحتمالية تكرار مشاهد الفيضانات الحضرية في المواسم القادمة.

ويؤكد مهنيون في مجال التهيئة الحضرية أن إعتماد هذا الأسلوب في تدبير مياه الأمطار والفيضانات يندرج ضمن منطق الحلول الترقيعية، التي تكتفي بإحتواء الأزمة ظرفيا دون معالجة جذورها، في وقت تعرف فيه البلاد تحولات مناخية متسارعة تجعل من التساقطات الغزيرة والاضطرابات الجوية أمرا متوقعا بشكل متزايد. هذا الواقع يفرض، بحسب المتتبعين، الإنتقال من منطق التدبير الآني إلى منطق التخطيط الإستباقي، القائم على الفصل التام بين شبكة الصرف الصحي وشبكة تصريف مياه الأمطار، وإعادة فتح القنوات المطمورة ومراجعة مساراتها الأصلية، مع إدماج البعد البيئي في كل مشاريع التهيئة المستقبلية، بدل الحلول الترقيعية التي قد تجمد الملف مؤقتا على حساب المواطنين وتفتح المجال لتفاقم الأضرار.

وأمام إحتمالية تكرار نفس السيناريوهات، ستجد ساكنة الفقيه بن صالح نفسها كل مرة في مواجهة معاناة محتملة، وسط تساؤلات متزايدة حول مسؤولية الجهات المعنية في ما آلت إليه أوضاع البنية التحتية للمياه، وحول جدوى المشاريع المنجزة التي لم تنجح إلى اليوم في حماية المدينة من آثار التساقطات والفيضانات. وتظل مطالب المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة قائمة، في إنتظار رؤية واضحة تعيد للمدينة توازنها وتحميها من فيضانات حضرية قد تصبح جزءا من حياتها إذا لم يتم التعامل مع الملف بجدية قبل وقوع الكارثة.

