يقين 24
افتتحت محكمة النقض، بإذن من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، السنة القضائية 2026 في جلسة رسمية شكلت مناسبة لتقييم حصيلة العمل القضائي، واستعراض التحديات البنيوية التي ما تزال تواجه منظومة العدالة، في مقابل التأكيد على مواصلة الإصلاح وترسيخ استقلال السلطة القضائية وجعلها في خدمة المواطن.
وفي كلمته بالمناسبة، شدد الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، على أن افتتاح السنة القضائية لا يقتصر على عرض الأرقام والإحصائيات، بل يشكل لحظة تواصل مؤسساتي مع الرأي العام، وفرصة لإطلاع المواطنات والمواطنين على واقع تدبير الشأن القضائي، والإكراهات التي تعترضه، والبرامج المعتمدة لتجاوزها.
وسجل المتحدث بوضوح استمرار الإشكال المرتبط بتراكم الطعون المعروضة على محكمة النقض، مبرزًا أن المحكمة تستقبل سنويًا أزيد من 50 ألف طعن، وهو رقم مرتفع مقارنة بمحاكم النقض في دول ذات كثافة سكانية أكبر. وأكد أن محكمة النقض ليست درجة ثالثة من درجات التقاضي، بل هيئة لضبط الاجتهاد القضائي وتحقيق الأمن القانوني، محذرًا من أن إغراقها بالطعون غير المنتجة ينعكس سلبًا على جودة الأحكام واستقرار الاجتهاد.
الأرقام المقدمة كشفت أن نسبة القرارات التي انتهت بالنقض لم تتجاوز حوالي 22 في المائة، مقابل رفض أو عدم قبول أغلبية الطعون، إضافة إلى عدد مهم من الملفات التي تم التصريح بعدم قبولها لأسباب شكلية، وهو ما أعاد إلى الواجهة الدعوة إلى ترشيد اللجوء إلى الطعن بالنقض، ووضع ضوابط أكثر صرامة في هذا المجال.
وعلى مستوى الحصيلة العامة، سجلت محكمة النقض خلال سنة 2025 ما يفوق 60 ألف طعن جديد، انضافت إلى رصيد متخلف من السنة السابقة، ليتجاوز عدد القضايا الرائجة 106 آلاف ملف. ورغم المجهودات الكبيرة التي بذلها القضاة، حيث بلغ معدل الإنتاج الفردي حوالي 270 قرارًا سنويًا، فإن حجم المتخلف ما يزال يشكل تحديًا حقيقيًا مع بداية السنة القضائية الجديدة.
في المقابل، أبرزت الكلمة صدور عدد من القرارات المرجعية المهمة بمختلف غرف محكمة النقض، همّت مجالات متعددة، من بينها الأحوال الشخصية، والعقار، والشغل، والقانون الجنائي والإداري، وأسهمت في توحيد الاجتهاد وتكريس مبادئ قانونية واضحة، بما يعزز الأمن القضائي ويضمن حقوق المتقاضين.
وعلى صعيد محاكم الموضوع، كشفت المعطيات أن المحاكم المغربية تعاملت خلال سنة 2025 مع أزيد من أربعة ملايين قضية، ونجحت في البت في نسبة مهمة منها، مع تسجيل تحسن نسبي في آجال البت، حيث صدرت 75 في المائة من الأحكام داخل الأجل الاسترشادي المعتمد، في احترام لمبدأ الأجل المعقول المنصوص عليه دستوريا.
كما واصل المجلس الأعلى للسلطة القضائية أداء مهامه المرتبطة بتدبير الوضعيات المهنية للقضاة، من تعيينات جديدة، وترقيات، وتغيير في المسؤوليات القضائية، في إطار سياسة تهدف إلى تجديد النخب وتكريس الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في نسبة النساء القاضيات داخل الجسم القضائي.
وفي جانب التخليق والتأديب، أكد المجلس استمراره في تفعيل آليات المراقبة والتأطير، سواء عبر المفتشية العامة أو لجنة الأخلاقيات، مع البت في ملفات تأديبية وفق ضمانات المحاكمة التأديبية العادلة، حفاظًا على نزاهة القضاء وثقة المتقاضين.
ولم تغب ورش الرقمنة عن أشغال هذه السنة القضائية، حيث تم تسجيل تقدم في اعتماد التوقيع الإلكتروني، وتجريب الجلسات الرقمية، وربط الأنظمة المعلوماتية بالمحاكم، في أفق تحديث العدالة وتبسيط المساطر وتقريبها من المواطن.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن شعار “القضاء في خدمة المواطن” ليس مجرد عنوان، بل التزام مؤسساتي يستمد روحه من التوجيهات الملكية السامية، ويضع القاضي في صلب مشروع إصلاح العدالة، باعتباره الضامن لحقوق الأفراد وحرياتهم، والحارس الأمين لسيادة القانون.

