يقين 24 – الرباط
يستعد نور الدين بنسودة لمغادرة مهامه على رأس الخزينة العامة للمملكة، بعد مسار دام قرابة خمسة عشر عاماً في واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في منظومة تدبير المالية العمومية بالمغرب، في خطوة تأتي في سياق دقيق يتسم بتوترات مرتبطة بورش إصلاح تحصيل الضرائب المحلية.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن بنسودة عبّر عن رغبته في التقاعد، واضعاً بذلك حداً لمسؤولية تولّاها منذ أبريل 2010، وشهدت خلالها الخزينة العامة تحولات كبرى على مستوى الرقمنة وتحديث آليات التحصيل والمراقبة المالية. ومن المرتقب أن يتولى عبد اللطيف العمراني، المدير العام لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، مهمة الإشراف على المؤسسة بالنيابة خلال المرحلة الانتقالية.
ويأتي هذا التطور في وقت تمر فيه الخزينة العامة بمرحلة وُصفت بالحساسة، على خلفية تنزيل إصلاح جديد يهم نقل اختصاص تحصيل عدد من الضرائب والرسوم المحلية إلى الجماعات الترابية، وهو ورش يفرض إعادة تنظيم عميقة للبنية الجبائية، تشمل إحداث عشرات القباضات الجماعية لضمان استمرارية الخدمة العمومية.
ورغم تقديم هذا الإصلاح باعتباره خطوة لتعزيز اللامركزية وتقريب الإدارة من المواطنين، إلا أن تنزيله العملي أثار مخاوف داخل أوساط موظفي الخزينة، خصوصاً فيما يتعلق بمصير الموارد البشرية، وتوزيع المسؤوليات، والضمانات القانونية والمادية المرتبطة بمرحلة الانتقال.
وقد عبّرت هيئات نقابية عن قلقها من غياب وضوح الرؤية، محذرة من انعكاسات اجتماعية ومهنية محتملة، في ظل تسجيل حالات توتر واحتجاج بعدد من القباضات، تزامنت مع الشروع في إعادة الانتشار التنظيمي.
وفي هذا السياق، لم يُخفَ أن بنسودة عبّر، في مناسبات سابقة، عن تحفظه بخصوص بعض جوانب تنزيل هذا الورش، مؤكداً خلال لقاءات مع الفرق النقابية أن المهام الاستراتيجية للخزينة العامة، المرتبطة بتحصيل الموارد ومراقبة النفقات وتمويل ميزانية الدولة، ستظل قائمة ولم يطرأ عليها أي تغيير قانوني.
وشكّل هذا التوضيح، في نظر النقابة الوطنية للمالية، خطوة إيجابية لكسر مناخ الغموض، حيث نوهت بانفتاح المسؤول المغادر على الحوار ومحاولة طمأنة الموظفين بشأن مستقبل المؤسسة واختصاصاتها.
ويطرح رحيل نور الدين بنسودة، في هذا الظرف بالذات، أكثر من علامة استفهام حول مستقبل الخزينة العامة، واتجاهات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الجدل حول إصلاح الجبايات المحلية، وما يرافقه من تحديات مرتبطة بالحكامة المالية الترابية والاستقرار الاجتماعي داخل قطاع استراتيجي.
وبين رهانات الإصلاح ومتطلبات التهدئة الاجتماعية، تبقى الخزينة العامة أمام منعطف حاسم، ينتظر أن يحدد ملامحه الفريق الذي سيتولى قيادتها خلال المرحلة القادمة.

