يقين 24
عاد مشروع قانون مهنة المحاماة إلى واجهة النقاش السياسي، لكن هذه المرة من بوابة الخلاف داخل الأغلبية الحكومية، بعدما أثار تدخل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لاحتواء احتجاجات المحامين وما ترتب عنها من شلل في عدد من مرافق العدالة، ردود فعل غير معلنة داخل صفوف حزب الأصالة والمعاصرة.
الخطوة التي وُصفت بأنها محاولة لامتصاص الاحتقان وإعادة عجلة المرفق القضائي إلى طبيعتها، لم تمر دون أثر سياسي، خاصة وأنها تزامنت مع سحب تدبير الملف من وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الأمين العام للأصالة والمعاصرة، في سياق اعتبره متتبعون تجاوزاً غير معلن لاختصاص الوزير الوصي.
ورغم غياب مواقف رسمية تصف ما جرى بالخلاف، فإن مؤشرات التباين بدت واضحة من خلال لغة البلاغ الصادر عن المكتب السياسي لحزب “الجرار”، والذي شدد على مركزية التشاور داخل هيئة الأغلبية، مذكّراً بمقتضيات ميثاق التحالف الحكومي الذي ينص على التنسيق والحوار المستمرين بشأن القضايا الإصلاحية الكبرى.
البلاغ، وإن حافظ على نبرة متوازنة، حمل بين سطوره رسائل سياسية تعكس انزعاجاً ضمنياً من طريقة تدبير الملف، مع تأكيد الحزب على التزامه الأخلاقي بمضامين ميثاق الأغلبية، وحرصه على احترام الآليات المتفق عليها بين مكوناتها الثلاثة.
في المقابل، أشاد الحزب بما وصفه بروح المسؤولية التي تحلت بها الفرق البرلمانية، سواء من الأغلبية أو المعارضة، في محاولتها لعب دور الوساطة بين الحكومة وهيئة المحامين، معتبراً أن هذه المبادرات تندرج ضمن صميم الأدوار الدستورية للمؤسسة التشريعية، وتعكس حساً وطنياً مشتركاً لتجاوز الأزمة.
كما نوّه البلاغ بروح الحوار التي أبان عنها وزير العدل في تفاعله مع الوساطة البرلمانية، مبرزاً ما اعتبره حصيلة إصلاحية مهمة عرفها القطاع خلال الفترة الأخيرة، شملت أوراشاً تنظيمية وتشريعية، وتجاوزت – حسب تعبيره – سقف الانتظارات المحددة في البرنامج الحكومي.
وتأتي هذه التطورات في ظرف سياسي حساس، حيث تواجه الأغلبية تحديات مرتبطة بتدبير ملفات اجتماعية ومهنية معقدة، ما يجعل أي تباين داخلي عرضة للتأويل السياسي. وبين حرص الأطراف على إبقاء الخلاف في حدوده الدنيا، وسعيها للحفاظ على تماسك التحالف، يبقى ملف المحامين اختباراً حقيقياً لصلابة ميثاق الأغلبية وقدرتها على إدارة الاختلاف من داخل المؤسسات.
في المحصلة، يبدو أن الأزمة لم تعد قانونية أو مهنية فحسب، بل تحولت إلى مؤشر على دينامية العلاقة داخل الأغلبية الحكومية، ومدى احترام قواعد الاشتغال المشترك التي تأسس عليها التحالف.

