يقين 24
في زمن المنصات الرقمية التي تفضّل المحتوى القصير، يقدم الكاتب منير باهي والمخرج علي النملي سلسلة كوميدية جديدة بعنوان «الشيبية ولخضر» من إنتاج تلفزيون الجريري على منصة اليوتيوب، مكوّنة من 30 كبسولة مدتها 6 إلى 7 دقائق فقط. تدور الأحداث داخل منزل عجوز ثرية ماكرة في دوار مغربي أصيل، وتجمع بين «الشيبية» (العجوز الثرية التي تتقن فن التمثيل والادعاء) وزوجها «لخضر» (الحارس السابق الطمّاع الذي ينتظر الإرث).

لكن وراء الضحكات المتتالية والحوارات الساخرة، تخفي السلسلة رسالة إنسانية عميقة. فهي ليست مجرد «سيتكوم قصير»، بل مرآة ساخرة لعشرة ثيمات أساسية تشكّل جوهر المجتمع المغربي التقليدي والحديث معاً.
1. الطمع والمنفعة في العلاقات الإنسانية
الثيمة الأولى والأقوى. «لخضر» تزوّج «الشيبية» ليس حباً، بل طمعاً في أملاكها. و«الشيبية» بدورها تحتفظ به كخادم مدى الحياة. في الحلقة الأولى «حلقة المسامحة»، يطلب منها الموت أن «تسامح» الجيران، لكن لخضر يكتشف أنها تختبره فقط. الطمع هنا ليس مادياً فحسب، بل عاطفياً أيضاً: كل طرف يستغل الآخر للبقاء أو للحصول على شيء.

2. العزلة والوحدة في الشيخوخة
«الشيبية» ممددة على الفراش دائماً، تمسك بسبحتها وتدّعي الاحتضار. هي رمز للعجوز المنعزلة رغم ثروتها. في الحلقة الثانية «حلقة نوستالجيا»، تروي ذكرياتها وتشم قنينة القطران بحنان، فتكشف عن فراغ عاطفي هائل. السلسلة تقول بصوت خفي: الشيخوخة في المجتمع التقليدي غالباً ما تكون سجناً من الوحدة، حتى لو كان هناك زوج أو خادم.
3. الصراع بين المظهر والحقيقة
لخضر يرتدي بذلة مميزة ليبدو «رجلاً مهماً»، بينما هو في الحقيقة عبد لزوجته. «الشيبية» تظهر ضعيفة وهي في الواقع أذكى وأقوى من الجميع. حتى الشخصيات الثانوية (الفقيه عبو المزيف، عو الذي يتحوّل من أنثوي إلى رجولي خشن) تؤكد أن المظهر في الدوار مجرد قناع.

4. الخرافة والاستغلال في المجتمع التقليدي
الفقيه «عبو» (الذي يظهر اول مرة في حلقة الزردة) يستغل جهل لخضر و«مرض» الشيبية باسم «فك السحر» و«تفسير الأحلام». السلسلة تسخر من الدجالين الذين يتاجرون بالغيب والسحر في الدواوير، وهي ظاهرة لا تزال موجودة في المغرب اليوم.
5. الكوميديا السوداء ومسخرة الموت
الموت حاضر في كل حلقة تقريباً: «الشيبية» تتظاهر بالاحتضار لتختبر الجميع، ولخضر يخبر الجيران أنها ماتت بالفعل! الضحك هنا ينبع من الرعب، كما في الحلقة الأولى حين يقول لخضر للجيران: «راها ماتت» بدلاً من «باغا تتسامح معاكم».
6. العلاقة الزوجية كمسرح للصراع والتعايش
رغم كل الخداع والإذلال، يطور الزوجان «ارتباطاً غريباً» هما «سجينا لعبة من الطمع»، لكنهما في النهاية يواجهان العالم معاً.
7. السخرية من السلطة
الشخصيات الثانوية (كرواصة التواصل الاجتماعي، عسيلة مقدم الدوار، الطبيب) تمثل الأجيال الجديدة التي تدخل الدوار التقليدي. «عو» (قريب الشيبية) يتحوّل من «أنثوي» ماهر في الطبخ إلى رجل خشن يدافع عن «الكرامة» – مشهد يسخر من مفاهيم الرجولة التقليدية.
تقدم السلسلة رسالة إنسانية مفادها أن العلاقات الإنسانية، حتى تلك المبنية على أسوأ النوايا، يمكن أن تتحول إلى شكل من أشكال الرفقة والقبول المتبادل..
بهذا، تتحوّل «الشيبية ولخضر» من مجرد كبسولات كوميدية خفيفة إلى عمل فني ينتقد المجتمع بذكاء دون أن يفقد الخفة. إنها مرآة ساخرة للطمع البشري، والذكاء الفطري، والوحدة، والخرافة، في قالب يناسب المشاهدة السريعة على يوتيوب أو كما على التلفزيون المغربي.

