يقين 24
للدكتور هشام العقراوي…..
تمثل مقاربة “الحلم الأوروبي” أحد أهم المداخل لتفسير تنامي الهجرة غير النظامية نحو المدن المحتلة سبتة و مليلية، إذ تنطلق من فكرة أن قرار الهجرة بحرا او برا لا يُبنى فقط على معطيات اجتماعية واقتصادية موضوعية، وإنما يتشكل أيضاً من خلال تصورات ذهنية ورمزية يصنعها المهاجر المحتمل عن أوروبا باعتبارها فضاءً للحرية والرفاه والكرامة والارتقاء الاجتماعي.
وفي هذا السياق، لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت فاعلاً اجتماعياً مؤثراً في تشكيل الوعي الجماعي للشباب، فمن خلال الصور ومقاطع الفيديو والروايات الشخصية التي ينشرها المهاجرون( القاصرين) أو المؤثرون، يجري تقديم سبتة و مليلية باعتبارها فضاءً تتحقق فيه فرص العمل والدخل المرتفع والاستقرار، في حين يتم إغفال أو التقليل من الصعوبات المرتبطة بالاندماج، والبطالة، والهشاشة القانونية، أو المعاناة النفسية والاجتماعية، والعنصرية التي يعيشها جزء كبير من المهاجرين غير النظاميين.
ويؤدي هذا الخطاب الرقمي إلى بناء ما يمكن تسميته بـالوهم الجماعي للنجاح، حيث تصبح الهجرة مشروعاً اجتماعياً يحظى بالتشجيع داخل بعض الأوساط، ويُنظر إلى الوصول إلى الضفة الأوروبية بوصفه معياراً للنجاح وتحقيق الذات. وهكذا يتحول “الحلم الأوروبي” إلى قوة دافعة تتجاوز الحسابات العقلانية للمخاطر، فيصبح احتمال الغرق أو الاعتقال أو الاستغلال من طرف شبكات الاتجار بالبشر ثمناً مقبولاً في سبيل الوصول إلى هذا الحلم.
ومن منظور علم الاجتماع، فإن هذا السلوك ينسجم مع فكرة أن الأفراد لا يتصرفون وفق الواقع كما هو، بل وفق التمثلات الاجتماعية التي يكونونها عنه، فإذا كانت هذه التمثلات تصور أوروبا باعتبارها مجالاً للفرص غير المحدودة، فإنها تدفع الشباب إلى اتخاذ قرارات قد تبدو غير عقلانية من الناحية القانونية أو الأمنية، لكنها تكتسب منطقها في ضوء السياق الاجتماعي والنفسي الذي يعيشونه.
كما تساهم شبكات التهريب والاتجار في البشر في إعادة إنتاج هذا الحلم، من خلال استغلال قصص النجاح الفردية والترويج لإمكانية الوصول السهل إلى أوروبا، مع إخفاء معدلات الفشل والوفيات والإعادات القسرية، وبهذا يتحول “الحلم الأوروبي” إلى أداة للاستقطاب والتجنيد، تغذيها وسائل الإعلام الرقمية، وتستثمرها شبكات الهجرة غير النظامية لتحقيق مكاسب مالية.
وعليه، فإن تفسير موجات الهجرة غير النظامية نحو سبتة لا ينبغي أن يقتصر على عوامل الفقر أو البطالة، بل يجب أن يشمل أيضاً البعد الرمزي والثقافي الذي تصنعه شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت هذه المنصات تُنتج صورة مثالية عن أوروبا تؤثر في نفسية وسلوك الشباب وتعيد تشكيل تطلعاتهم، حتى وإن كان الواقع الأوروبي أكثر تعقيداً مما تعكسه تلك الصور.
ومن ثم، فإن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على تشديد الرقابة الحدودية، وإنما تستدعي أيضاً بناء خطاب عمومي وإعلامي واقعي، وتعزيز الوعي الرقمي، وتوفير بدائل تنموية تمنح الشباب أملاً داخل أوطانهم، بما يحد من هيمنة “الحلم الأوروبي” بوصفه المحرك الرمزي للهجرة غير النظامية.

