يقين 24 – لخضر حمزة
لم تعد قضية النفايات الخضراء الناتجة عن تشذيب الأشجار والعناية بالحدائق الخاصة مجرد مسألة مرتبطة بالنظافة اليومية، بل أصبحت تطرح تساؤلات حول احترام الفضاء العام، وتوزيع المسؤوليات، وحماية مجهودات عمال النظافة والموارد التي تُخصص لتدبير هذا القطاع بمدينة الدار البيضاء.
فمن حق أصحاب الفيلات والحدائق الواسعة الاستمتاع بفضاء أخضر جميل، والعناية بأشجارهم ونباتاتهم، لكن هذا الحق يقابله واجب احترام الشارع العام، وعدم تحويل الأرصفة وقارعة الطرق إلى أماكن عشوائية لتجميع مخلفات التشذيب والأعشاب وبقايا تهيئة الحدائق.
إن عمال النظافة الذين يجوبون الشوارع والأزقة يومياً يبذلون مجهودات ميدانية تستحق التقدير والإنصاف، ويواجهون ظروف عمل تتطلب الجهد والصبر، خصوصاً عند التعامل مع كميات كبيرة من النفايات الخضراء التي تستدعي وسائل لوجستية ووقتاً إضافياً لجمعها ونقلها. وقد يؤثر تراكم هذه المخلفات على تنظيم الجولات الميدانية، ويزيد الضغط على الموارد البشرية والآليات، التي يفترض أن تستجيب لحاجيات مختلف الأحياء.
ومن هنا، فإن إنصاف عامل النظافة لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالاعتراف بقيمة عمله، واحترام جهوده، وعدم تحميله أعباء إضافية يمكن تفاديها من خلال سلوك مسؤول والتزام جماعي بقواعد النظافة.
كما أن المؤسسة المكلفة بتدبير قطاع النظافة تتحمل مسؤولية تنظيم عمليات الجمع، وتوزيع الموارد البشرية والآليات وفق الحاجيات الفعلية، وضمان استمرارية الخدمات المقدمة للساكنة. ويساهم تدبير النفايات الخضراء بطريقة منظمة في تحسين مردودية الفرق الميدانية، وترشيد استعمال الوسائل اللوجستية، وتخفيف الضغط على العمال، بما يخدم مصلحة المدينة وساكنتها.
إن حماية المال العام تقتضي منا جميعاً التفكير في كيفية تدبير النفايات بأكثر الطرق نجاعة، لأن الموارد المخصصة للنظافة ينبغي أن تُستثمر بشكل عقلاني، بما يضمن جودة الخدمات ويحافظ على نظافة الأحياء والشوارع.
وفي هذا الإطار، فإن تنظيم عملية إخراج النفايات الخضراء وتحديد مواعيد مناسبة لجمعها، بتنسيق مع الجهات المختصة وشركات التدبير المفوض، من شأنه أن يساهم في الحد من التراكمات العشوائية وتحسين ظروف اشتغال عمال النظافة. ويبقى من الضروري أن تُعلن أي ترتيبات جديدة بشكل واضح ورسمي، حتى تكون الساكنة على علم بها وتتمكن من الالتزام بها.
أما فيما يتعلق بالغرامات المالية المحتملة، فإن احترام القانون يقتضي التأكد من وجود أساس قانوني واضح لأي مخالفة أو عقوبة، مع تطبيق المساطر المعمول بها وضمان حقوق المعنيين بالأمر. فالدعوة إلى نظافة المدينة لا تنفصل عن ضرورة احترام القانون والوضوح في القرارات والإجراءات.
إن الدار البيضاء ليست ملكاً لفئة دون أخرى، ونظافتها ليست مسؤولية عمال النظافة وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين السلطات المحلية والجماعات وشركات التدبير المفوض والمواطنين وأصحاب الممتلكات الخاصة، كلٌّ حسب اختصاصاته والتزاماته.
إن الرسالة الأساسية اليوم هي أن العناية بالحدائق الخاصة ينبغي أن تسير جنباً إلى جنب مع احترام الفضاء العام، وألا تتحول الشوارع والأرصفة إلى امتداد للممتلكات الخاصة أو أماكن لتجميع المخلفات دون تنظيم.
فالعامل الذي يرفع النفايات من الطريق يؤدي واجباً مهنياً يستحق الاحترام، والمؤسسة التي تسخر آلياتها ومواردها لتدبير النظافة تحتاج إلى تعاون الجميع حتى تتمكن من أداء مهامها في أفضل الظروف.
إن المدينة النظيفة لا تُبنى بالقرارات وحدها، ولا تتحقق بجهود العمال والمؤسسات فقط، بل تحتاج إلى ثقافة المواطنة، واحترام الفضاء المشترك، والتعاون بين مختلف المتدخلين.
فلنُنصف عمال النظافة، ولنثمّن مجهودات المؤسسات، ولنساهم جميعاً في نظافة الدار البيضاء، لأن المدينة مسؤوليتنا المشتركة ونظافتها عنوان وعي ساكنتها.


