يقين24 – حليمة صومعي
لم يعد الخلاف بين فوزي لقجع وفريق التجمع الوطني للأحرار مجرد سجال عابر حول مشروع قانون المالية، بل تحول إلى مواجهة سياسية تثير أسئلة جوهرية بشأن الاختيارات الاقتصادية للحكومة، وحقيقة الالتزامات الاجتماعية الموجهة للمواطنين، وحدود المسؤولية عن حصيلة المرحلة السابقة.
فالتصريحات التي أدلى بها فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بشأن جهات اتهمها بتعبئة الشباب ونشر ما وصفه بالأكاذيب والمغالطات حول تراجع الحكومة عن التزاماتها، فتحت الباب أمام تأويلات سياسية متعددة، خصوصاً بعدما ربط هذه الجهات بحزب سبق أن شارك في الحكومة السابقة. غير أن تحديد الجهة المقصودة يظل رهيناً بتوضيحات صريحة من المعني بالأمر، بعيداً عن التأويلات والاستنتاجات التي قد تفرضها طبيعة الصراع السياسي.
ولم تمر هذه التصريحات دون رد، إذ انتقل النقاش إلى البرلمان، حيث عبّر ياسين عكاشة، رئيس الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، عن انتقادات لاختيارات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، معترضاً على استعمال تعابير من قبيل «الرأسمالية المتوحشة» و«النيوليبرالية»، ومستحضراً مفاهيم مرتبطة بالنماذج الاقتصادية الاشتراكية القديمة، في إشارة إلى ما اعتبره عودة إلى نقاشات إيديولوجية تجاوزها الزمن.
لكن ما يستحق التوقف عنده ليس فقط طبيعة المصطلحات المستعملة، ولا حدة الردود المتبادلة، بل ما تكشفه هذه المواجهة من اختلاف في تقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أسئلة حول مدى استمرارية الاختيارات الحكومية السابقة أو التوجه نحو مراجعتها.
فإذا كانت الحكومة الحالية تنتقد بعض الممارسات والاختيارات التي طبعت المرحلة السابقة، فإن الرأي العام ينتظر توضيحات دقيقة بشأن طبيعة هذه المراجعة، وحدودها، والبدائل التي تقترحها. وفي المقابل، فإن الدفاع عن الحصيلة السابقة لا يمكن أن يقتصر على رفض المصطلحات أو التحذير من العودة إلى الصراعات الإيديولوجية، بل يقتضي تقديم معطيات وأرقام توضح ما تحقق فعلياً، وما ظل دون مستوى الانتظارات.
وهنا تبرز المفارقة السياسية التي تستحق النقاش: كيف تتحول مكونات سياسية سبق أن اشتغلت داخل التجربة الحكومية نفسها إلى أطراف تتبادل الانتقادات بشأن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية؟ وهل يتعلق الأمر باختلاف حقيقي في الرؤى، أم بصراع حول تقييم الحصيلة وتحديد المسؤوليات مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة؟
إن مشاركة أحزاب في الحكومة السابقة لا تعني بالضرورة تطابق مواقفها اليوم، لكنها تجعل من حق المواطنين مطالبة مختلف الأطراف بتوضيح مسؤولياتها عن القرارات التي اتُّخذت، والبرامج التي نُفذت، والوعود التي لم تجد طريقها إلى الواقع. فالمسؤولية السياسية لا تسقط بمجرد الانتقال من موقع التدبير إلى موقع الانتقاد، كما أن مراجعة السياسات السابقة لا تكتسب مصداقيتها إلا بوضوح البدائل وقابليتها للتنفيذ.
غير أن الجزء الأهم من هذا السجال يظل مرتبطاً بالوعود الاجتماعية التي تنتظرها الأسر المغربية. فالمواطن لا تعنيه كثيراً المعارك الكلامية بين المسؤولين بقدر ما يهمه أن يعرف ما إذا كانت الالتزامات المعلنة ستترجم إلى إجراءات ملموسة، وما حجم الاعتمادات المالية المخصصة لها، وكيف ستتم تعبئة الموارد اللازمة لتنفيذها، وما الجدول الزمني المحدد لذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع قانون المالية ليس مجرد وثيقة تقنية تتبادل بشأنها الفرق السياسية الاتهامات، بل هو اختبار فعلي لمدى قدرة الحكومة على تحويل تعهداتها إلى برامج قابلة للتنفيذ، ولقدرة البرلمان على ممارسة دوره الرقابي ومساءلة الحكومة بشأن اختياراتها وأولوياتها.
أما الاتهامات المتعلقة بتجنيد الكتائب الإلكترونية ونشر الأخبار المضللة، فهي بدورها تحتاج إلى توضيحات دقيقة ومعطيات قابلة للتحقق، لأن خطورة هذه الاتهامات تفرض التمييز بين النقد السياسي المشروع، الذي يدخل في صميم الممارسة الديمقراطية، وبين نشر معلومات كاذبة أو مضللة، متى ثبت ذلك بالأدلة.
وفي المحصلة، فإن المطلوب اليوم ليس رفع منسوب التصعيد بين الفرقاء السياسيين، ولا تحويل النقاش إلى مواجهة حول المصطلحات الإيديولوجية، بل تقديم أجوبة واضحة عن الأسئلة التي تهم المغاربة: ما الذي تغير في الاختيارات الاقتصادية؟ وما الذي ستلتزم به الحكومة فعلياً؟ وكيف ستضمن تمويل برامجها الاجتماعية؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الوعود التي لم تتحقق؟
فبين تصريحات لقجع وردود فريق الأحرار، تبقى الحقيقة التي ينتظرها المواطن مرتبطة بالأرقام والقرارات والنتائج، لا بحدة الخطاب. وحده مشروع قانون المالية، بما يتضمنه من اعتمادات وأولويات وتدابير، يمكن أن يقدم جزءاً أساسياً من الإجابات، فيما تظل مسؤولية الحكومة والبرلمان قائمة في توضيح الخيارات ومحاسبة. المسؤولين عنها.

