لم يكد الشارع الإعلامي يستوعب وقع الصدمة حتى تحولت تسجيلات اجتماع لجنة أخلاقيات مهنة الصحافة إلى كرة نار تتدحرج بسرعة، مُخلّفة موجة غضب عارمة واهتزازاً قوياً في ثقة الرأي العام بمؤسسات يفترض أن تكون صمّام أمان للمهنة، لا مصدر شكوك ومثار جدل.
فما خرج للعلن لم يكن مجرد “تسريب”، بل مرآة عاكسة لواقعٍ مُتكرر عبر قطاعات عدة: من الصحة إلى التعليم، ومن الجماعات الترابية إلى الرياضة… واليوم الصحافة نفسها، تلك التي تراقب وتُحاسِب، وجدت ذاتها وسط عاصفة تشبه العشرات التي سبقتها في مؤسسات أخرى، مع السؤال القديم الجديد:
هل سيكون مآل هذه العاصفة كما سابقاتها… أم أن الملف هذه المرة أكبر من أن يُطوى بسهولة؟
التسجيلات المسربة كشفت، بحسب ما تداوله الرأي العام، نقاشات تفتقد للنَّفَس المؤسساتي، وتُظهر تضارباً في المصالح وطريقة تدبير لا تُشبه ما ينتظره الجسم الصحافي من لجنة يُفترض أن تكون حارسة للأخلاق المهنية. هذه المشاهد لم تُفاجئ كثيرين، لأنها بكل بساطة تُعيد إنتاج ما يقع في قطاعات أخرى:
حكامة مرتبكة، قرارات غامضة، وحساسيات شخصية تتغلب على المصلحة العامة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن مهنة الصحافة، التي تستمد هيبتها من نزاهة مؤسساتها، تجد نفسها اليوم بين مطرقة فقدان الثقة وسندان الحاجة إلى الإصلاح.
فالصحفي الذي كان يُسلّط الضوء على الأعطاب في المؤسسات الأخرى، بات مطالباً اليوم بأن يواجه أسئلة الجمهور حول مؤسسته الداخلية نفسها.
كيف يمكن لجسم صحافي أن يطالب بالشفافية، إذا كانت اللجنة المكلفة بالأخلاق تعيش ارتباكاً بنيوياً؟ وكيف يمكن الحديث عن “تنظيم القطاع” في ظل لجان موضع تشكيك وقرارات مطعون في عدالتها؟
في المقابل، يرى مهنيون أن ما جرى قد يكون فرصة إصلاحية نادرة، لأن الأزمة عرّت الخلل بوضوح غير مسبوق، ودفعَت الرأي العام إلى متابعة التفاصيل بدقة.
ومع هذا الاهتمام، يصبح من الصعب أن يتم تمييع الملف أو طيّه كما فُعل في قضايا سابقة مرت عبر قطاعات مختلفة دون محاسبة أو مراجعة حقيقية.
اليوم، لم تعد القضية قضية تسريب فقط، بل قضية ثقة.
هل ستستوعب اللجنة الدرس وتعيد ترتيب بيتها الداخلي؟
هل ستتحرك الجهات الوصية لتقويم الاختلالات؟
أم أننا سنشهد السيناريو المعتاد: ضجة قصيرة العمر… ثم صمت طويل؟
المؤكد أن مهنة الصحافة في المغرب تقف، مرة أخرى، أمام منعطف حساس.
إما أن تنتصر لأخلاقياتها وتحمي سمعتها،
وإما أن يجد الصحفي نفسه، كما كثير من العاملين في قطاعات أخرى، مُطارَداً بأسئلة الشفافية قبل أن يطرحها على غيره.
هذه العاصفة قد تهدأ…
لكن أثرها سيبقى حاضراً، ما دام الرأي العام يطالب اليوم بأكثر من اعتذار: يطالب بالإصلاح الحقيقي.

