يقين 24
أقرّ وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، دفترًا جديدًا للضوابط البيداغوجية الخاصة بسلك “ماستر العلوم والتقنيات”، واضعًا بذلك حدًا لنظام استمر لأكثر من عشر سنوات، ومعلنًا بداية مرحلة جديدة عنوانها التحديث وربط التكوين بالتحولات العالمية.
القرار الوزاري، الذي سيدخل حيّز التنفيذ ابتداءً من الموسم الجامعي 2026-2027، لا يكتفي بتعديلات شكلية، بل يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة التكوين، من خلال إدماج أدوات العصر الرقمي وتعزيز مكونات الهوية داخل المسارات العلمية.
ومن أبرز مستجدات هذا الإصلاح، فرض إدراج وحدة دراسية في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل إلزامي لجميع الطلبة، بغض النظر عن تخصصاتهم، في استجابة واضحة للتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، حيث أصبح هذا المجال ركيزة أساسية في مختلف القطاعات.
وفي المقابل، لم يغفل القرار البعد الثقافي، إذ نصّ على إدراج وحدة باللغة العربية داخل المسالك التي تُدرّس بلغات أجنبية، في محاولة لإعادة التوازن داخل الفضاء الجامعي، وتعزيز حضور اللغة الوطنية في التكوين العلمي.
كما منح النظام الجديد أهمية خاصة لما يُعرف بالمهارات العرضانية، عبر تخصيص وحدات للتواصل، وريادة الأعمال، والتدبير، ومنهجية البحث، بهدف تخريج كفاءات لا تكتفي بالمعرفة النظرية، بل تمتلك القدرة على الاندماج في سوق الشغل وخلق المبادرات.
وعلى مستوى الهيكلة، تم توزيع التكوين على أربعة فصول تضم 28 وحدة، مع تخصيص الفصل الأخير بالكامل لإنجاز مشروع نهاية الدراسة داخل بيئة مهنية، سواء في المقاولات أو مراكز البحث، في توجه يعكس رغبة واضحة في تعزيز “مهننة” التكوين وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي.
القرار شدد أيضًا على معايير الجودة، حيث حدد مدة اعتماد المسالك في ثلاث سنوات قابلة للتجديد، مع إخضاعها لتقييم دوري، ما يضع المؤسسات الجامعية أمام تحدي الحفاظ على مستوى تكوين يواكب المعايير المطلوبة.
كما تم اعتماد نظام الأرصدة القياسية بشكل دقيق، مع منح وزن أكبر لمشروع التخرج، إلى جانب إتاحة جزء من التكوين عن بُعد بنسب محددة، دون المساس بصرامة التقييم الحضوري، في محاولة للجمع بين المرونة وضمان الجودة.
وفي ما يخص شروط النجاح، وضع النظام الجديد معايير أكثر صرامة، سواء من حيث المعدل العام أو عدد الوحدات المستوفاة، مع تقليص فرص إعادة التسجيل، ما يعكس توجهًا نحو ترسيخ الجدية داخل المسار الجامعي.
ويأتي هذا الإصلاح في سياق سعي المغرب إلى تحديث منظومته التعليمية، وجعل الجامعة فضاءً منتجًا للكفاءات القادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية، بدل الاكتفاء بدور تقليدي في التلقين.
وبينما سيواصل الطلبة الحاليون دراستهم وفق النظام القديم، يفتح هذا القرار صفحة جديدة أمام الأجيال القادمة، في أفق بناء نموذج جامعي أكثر انسجامًا مع متطلبات المستقبل.

