والي جهة بني ملال خنيفرة السابق خطيب الهبيل لم يكن في حاجة إلى معارضة سياسية ولا إلى تقارير خارجية حتى يكشف مكمن الخلل داخل مجلس جهة بني ملال خنيفرة، بل قالها من داخل المؤسسة نفسها، وأمام المنتخبين والرأي العام، حين وضع يده على حقيقة مرة ما تزال الساكنة تعيش آثارها إلى اليوم: التنمية في الجهة كثيرا ما تسوق بالكلام، وتعلن بالأرقام، وتؤجل على أرض الواقع.
ففي الوقت الذي يواصل فيه رئيس المجلس عادل بركات تقديم الاتفاقيات المتتالية على أنها إنجازات كبرى، يزداد اقتناع المواطنين بأن جزءا مهما مما يعرض عليهم ليس سوى وهم تنموي مغلف بالبلاغات والصور الرسمية. الساكنة تسمع كل دورة عن مشاريع جديدة، وأغلفة مالية ضخمة، وشراكات واعدة، لكنها حين تنظر إلى واقعها اليومي تجد طرقا متعثرة، وبطالة متفاقمة، ومناطق مهمشة، ومشاريع لا تغادر الورق.
الوالي السابق فضح هذا المنطق حين أكد أن المجلس كان يمرر الاتفاقيات دون ضمان شروطها الأساسية، قائلا بوضوح: “إذا ما كانتش عندنا الموافقة ديال الشركاء، ما نديروهاش”. وهذا التصريح ليس مجرد ملاحظة تقنية، بل إدانة مباشرة لأسلوب قائم على عرض مشاريع قبل نضجها، وتمرير اتفاقيات قبل تأمين مموليها، ثم تسويقها للرأي العام وكأنها إنجاز محسوم.
وزاد الأمر وضوحا حين شرح ما كان يحدث بعد ذلك: “غانصيفطوها وغاييرجعوها، غايقولو لينا: أودي ما استاشرتوش معايا، وما غاديش نوقعها”. بمعنى آخر، كانت بعض الاتفاقيات تصادق عليها القاعة، ثم تسقط خارجها، لأن الشركاء الحقيقيين لم يستشاروا أصلا. وهنا يظهر أن المشكلة ليست فقط في تعطيل المشاريع، بل في تضليل الساكنة عبر إيهامها بأن الأوراش انطلقت، بينما الملفات لم تستكمل حتى شروطها الأولى.
الأخطر أن هذا الأسلوب يتم في كثير من الأحيان دون إشراك فعلي للمواطنين ولا فتح نقاش عمومي جدي حول الأولويات الحقيقية للجهة. فمن الذي قرر أن هذا المشروع أولى من ذاك؟ ومن الذي استشار القرى المعزولة قبل الحديث عن مشاريع استعراضية؟ ومن الذي سأل الشباب العاطل إن كانت حاجته الأولى هي الصور البروتوكولية أم فرص الشغل؟
لقد كان الوالي السابق أكثر صدقا حين تساءل بمرارة: “ما الفائدة إذا لم تنجز هذه 50 مليار على أرض الواقع؟” بعد كشفه أن عدد الاتفاقيات بلغ 557 اتفاقية بقيمة تناهز 50 مليار درهم. وهو سؤال يختصر المأزق كله: ما قيمة الأرقام إذا لم تتحول إلى أثر؟ وما معنى المليارات إذا بقي المواطن ينتظر طريقا أو مستشفى أو فرصة عمل؟
إن أخطر ما يمارسه أي مجلس منتخب ليس فقط سوء التدبير، بل تغذية الأمل الكاذب لدى المواطنين. حين يقال للساكنة إن المشاريع قادمة، ثم لا تأتي. وحين ترفع التوقعات في كل دورة، ثم تدفن في الدورة الموالية. وحين يستعمل اسم التنمية كغطاء لتدوير نفس الخطاب دون نتائج ملموسة.
رئيس الجهة اليوم مطالب، بدل تكرار الشكوى من الوزارات والشركاء، بأن يواجه الرأي العام بحقيقة الحصيلة: كم مشروعا أنجز فعلا؟ كم اتفاقية بقيت معلقة؟ كم ملفا عاد بسبب غياب التشاور؟ وما المسؤولية السياسية للمجلس في ذلك؟ لأن زمن تسويق الأوهام يقترب من نهايته، والساكنة أصبحت تميز جيدا بين المشروع الحقيقي والمشروع الذي يولد في البلاغ ويموت في الرف.
فالتنمية ليست حفل توقيع، وليست تصفيقا داخل الجلسات، وليست أرقاما تتلى في الميكروفونات. التنمية هي ما يراه المواطن بعينه ويلمسه في حياته. وما عدا ذلك، كما فهم الجميع من كلام الوالي السابق، مجرد وهم مؤجل بثمن اجتماعي باهظ.

