يقين 24
في قراءة جديدة لحصيلة الحوار الاجتماعي بالمغرب، أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، أن هذا الورش الاستراتيجي لم يكن مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل شكل صمام أمان حقيقياً جنّب البلاد موجة واسعة من الاحتجاجات الاجتماعية، كان من الممكن أن تمس مئات الآلاف من الأجراء عبر مختلف القطاعات.
وأوضح المسؤول الحكومي أن اعتماد مقاربة جديدة في تدبير الحوار الاجتماعي، منذ سنة 2022، مكّن من تفادي أكثر من 4500 إضراب، كانت ستهم حوالي نصف مليون أجير، مبرزاً أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى منهجية تقوم على الاعتراف المسبق بالمطالب العادلة، والعمل على برمجتها وفق الإمكانيات المالية المتاحة، بعيداً عن منطق “المساومة” الذي طبع مراحل سابقة.
وأشار السكوري إلى أن الكلفة المالية لمخرجات هذا الحوار بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ قاربت 49.7 مليار درهم، وهو رقم يعادل ما أنجزته ثلاث حكومات سابقة مجتمعة في المجال الاجتماعي، ما يعكس حجم الرهان الذي انخرطت فيه الدولة لإعادة التوازن إلى العلاقة بين الأجراء والمشغلين.
ومن أبرز ثمار هذا المسار، الزيادة العامة في الأجور التي تم إطلاقها سنة 2024 بقيمة 1000 درهم موزعة على مرحلتين، إلى جانب تخفيض الضريبة على الدخل لفائدة الطبقة المتوسطة، وهي إجراءات استفاد منها أكثر من 4 ملايين شخص، موزعين بين القطاعين العام والخاص.
ولم يقتصر الإصلاح على الجانب المالي، بل شمل أيضاً معالجة ملفات هيكلية عالقة، خاصة في قطاع التعليم، الذي عرف إصلاحاً واسعاً همّ مئات الآلاف من الموظفين، مع تحسينات مهمة في الأجور والمسارات المهنية، إضافة إلى قطاع الصحة الذي شهد بدوره زيادات معتبرة للأطر الطبية والتمريضية.
كما توقف الوزير عند ورش الحماية الاجتماعية، مبرزاً أن تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر لفائدة ملايين الأسر، ساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتقليص الفوارق، خاصة في ظل سياق دولي صعب طبعته أزمات اقتصادية متلاحقة.
وفي ما يخص مناخ الشغل، اعتبر السكوري أن القانون الجديد المنظم للإضراب، المرتقب دخوله حيز التنفيذ، سيشكل آلية توازن بين حماية حق العمال في الاحتجاج، وضمان استمرارية الخدمات، من خلال فرض مسار تفاوضي إلزامي قبل أي تصعيد، مع توفير ضمانات قانونية ضد أي إجراءات انتقامية.
وبين أرقام الكلفة المرتفعة وحجم الإصلاحات المنجزة، يتضح أن الحوار الاجتماعي لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح ركيزة أساسية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في مرحلة تتطلب توازناً دقيقاً بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على التوازنات المالية للدولة.

