بقلم الأستاذ عادل النوبي – أستاذ باحث بالكلية متعددة التخصصات بالناظور
بقلوب يعتصرها الأسى، وعقول تستحضر ما خلّفه من إرث علمي راسخ، نودّع الفقيه الجليل الدكتور محمد الكشبور (الجمعة فاتح ماي 2026، الموافق لـ 14 ذي القعدة 1447هـ)، الذي ظلّ لعقود مدرسة قائمة بذاتها في الفقه والقانون، وأحد أعمدة الدرس القانوني المغربي الرصين، ومرجعًا لا يُجارى في التحليل والتأصيل. لم يكن حضوره مجرد حضور أستاذ داخل المدرج، بل كان حضور عالم يُؤسّس ويُكوّن ويغرس، حيث كان، رحمه الله، يُضفي على محاضراته بين الفينة والأخرى حسًا من الفكاهة العلمية الراقية، يخفّف بها وطأة المفاهيم القانونية الدقيقة، ويأخذ بيد الطلبة إلى عوالم الفهم العميق دون أن يشعروا بثقل الزمن، وهو يلقي دروسه لساعات طويلة بنفس الحماس والتركيز.
تتلمذت على يديه لسنوات بكلية الحقوق بوجدة، حيث درّسني مادة قانون الشغل والمنهجية خلال سلك دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون التجاري المقارن. ولم يكن تدريسه مجرد نقل للمعرفة، بل كان بناءً لمنهج تفكير قانوني متكامل، يُعلّم الطالب كيف يقرأ النص، وكيف يُحلّل، وكيف يُقارن، وكيف يُنتج معرفة قانونية رصينة. وكنتُ محظوظًا بإشرافه على رسالتي لنيل الدبلوم تحت عنوان: “فسخ عقد الكراء التجاري”، حيث كان يتابع أدق التفاصيل، ويوجهني باستمرار نحو الدقة المنهجية والانضباط العلمي. كما ازددتُ حظًا بإشرافه على أطروحتي الموسومة: “الغير عن العقد في القانون المغربي والمقارن”، والتي نشرت سنة 2023 بتقديم كريم منه، وهو شرف علمي ومعنوي سيظل علامة فارقة في مساري الأكاديمي. وفي بداية ربيع سنة 2026، أصدرنا كتابًا جماعيًا تكريمًا له بعنوان: “مآل النظرية العامة للعقد”، بتقديم الأستاذ عبد الرزاق أيوب، في مبادرة علمية تعكس حجم الامتنان والاعتراف بما قدّمه لهذا الحقل من عطاء مستمر.
لم يكن الفقيد مجرد أستاذ، بل كان أبًا روحيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ربطتني به علاقة الابن بأبيه بمدينة مكناس، علاقة قائمة على التقدير والمودة والاحترام المتبادل، حتى إن أبنائي، حين كبروا ولاحظوا طبيعة تلك العلاقة، تساءلوا ببراءة: “واش عمي الكشبور عمك؟”، في تعبير صادق عن عمق هذه الصلة الإنسانية. وكان حضوره في حياتي يتجاوز الإطار الأكاديمي، حيث كان يتابعني، ويوجهني، وينصحني، ويُقوّم مساري. وكلما تأخرت في زيارته، تعاتبني والدتي، فأبادر إلى الاتصال به، واصلًا الرحم معه، لما كان له من أثر عميق في تكويني العلمي والإنساني. وقد رسّخ فيّ قيمة التعامل الإنساني مع الطلبة، وكان يقول لي دائمًا: “تهلا في ولاد الشعب، راهم راس مالك فهاد الدنيا”، وهي وصية تختصر فلسفة كاملة في التعليم والمسؤولية الاجتماعية.
كان لحضوره في المدرجات وقع خاص، إذ كان يمزج بين الصرامة العلمية والبلاغة في التعبير، بلكنته المراكشية المميزة، التي تضفي على الدرس طابعًا إنسانيًا قريبًا من الطلبة. لم يكن يكتفي بشرح النصوص، بل كان ينفذ إلى روحها، ويكشف خلفياتها، ويربطها بسياقاتها الفقهية والقضائية، مما يجعل الطالب يعيش مع النص لا يمرّ عليه مرورًا عابرًا. أما في كتاباته، فقد كان نموذجًا للدقة المنهجية والتحليل العميق، جامعًا بين التشريع والفقه والقضاء، المغربي والمقارن، مع إحاطة واسعة بالمراجع، مما أهّله ليكون ضمن مصاف كبار الفقهاء، أمثال أحمد عبد الرزاق السنهوري، وفرج الصدة، ولاغومي، وبلانيول وغيرهم.
كان لقاؤنا الأسبوعي معه محطة أساسية في تكويننا، حيث كنا نعرض عليه محاولاتنا الأولى في الكتابة القانونية، فيُخضعها لنقد صارم، لكنه بنّاء، يهدف إلى تقويم الاعوجاج وصقل الملكة القانونية. لم يكن يقبل بالحلول السهلة، ولا بالتحليل السطحي، بل كان يدفعنا إلى تعميق النظر، والتدقيق في المفاهيم، والصرامة في الصياغة. وبفضل هذا النهج، تخرّج على يديه جيل من الكفاءات التي تشغل اليوم مواقع متقدمة: أساتذة جامعيون، قضاة، محامون، وأطر عليا، وكلهم يحملون بصمته الواضحة في التفكير والسلوك.
كان، رحمه الله، مثالًا حيًا للعالم الزاهد، الذي وهب حياته للعلم دون التفات إلى مظاهر الدنيا. كان يلتزم برنامجًا يوميًا صارمًا يبدأ قبل الفجر، يخصّصه للقراءة والبحث والكتابة، ولا ينقطع عنه إلا للضرورة. وقد عاينتُ ذلك عن قرب حين كان يزورني في بيتي بمكناس، حيث كان حضوره لا ينفصل عن عاداته العلمية الصارمة، مما يعكس شخصية منضبطة إلى أقصى حد. واستمر على هذا النهج سنوات طويلة، مكتفيًا بما يحظى به من تقدير كبير لدى طلبته، الذين كانوا يستقبلونه بالأحضان في مختلف الإدارات والمحاكم والهيئات، في مشهد يلخص حجم المحبة التي كان يحظى بها.
وكان أصدقائي بمدينة مكناس يلحّون عليّ لتنظيم جلسات معه كلما حلّ بالمدينة، تقديرًا لمكانته، ورغبة في الاستفادة من علمه وتجاربه، خاصة وأنه أسهم في تكوين عدد من طلبة الماستر بكلية الحقوق بمكناس، وترك فيهم أثرًا لا يُمحى.
رحل الفقيه محمد الكشبور، لكن علمه باقٍ بيننا، ينتفع به في كل حين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث… علم يُنتفع به”. لقد ترك لنا علمًا غزيرًا، ومنهجًا رصينًا، وذكريات إنسانية لا تُمحى. رحم الله أستاذ الأجيال، الفقيه الوقور، ومفخرة الفقه المغربي الأصيل. وقد خلّف من بعده أبناءً بررة، أوفياء لنهجه، مستمرين على عهده في البحث العلمي الأكاديمي. ومن وصاياه التي لا أنساها: “إلزم البيت واشغل وقتك بالبحث والكتابة”.

