يقين 24
فتح المجلس الأعلى للحسابات تحقيقات موسعة داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، عقب رصد اختلالات خطيرة همّت تدبير نفقات مرتبطة بالتكوينات المهنية والأسفار الخارجية، في خطوة تعكس تشديد الرقابة على صرف المال العام وتعزيز مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ووفق معطيات متداولة، فقد شملت عمليات الافتحاص ما يزيد عن 13 مؤسسة عمومية وملحقاتها، بعدما أثارت بعض المصاريف المتعلقة بالتكوينات بالخارج والتنقلات المهنية شبهات قوية حول وجود تجاوزات واختلالات في طرق التدبير والتصريح بالمصاريف.
وكشفت التحقيقات الأولية عن استفادة عدد من المسؤولين والأطر من دورات تكوينية طويلة الأمد خارج أرض الوطن، دون توفر اتفاقيات رسمية واضحة أو تقارير تثبت المردودية الفعلية لهذه التكوينات على أداء المؤسسات المعنية، وهو ما دفع قضاة المجلس الأعلى للحسابات إلى التدقيق في مدى قانونية هذه النفقات وجدواها.
ومن بين المعطيات التي أثارت الكثير من الجدل، تسجيل حالة مسؤول سابق بإحدى المؤسسات العمومية استفاد من تكوين دام لأكثر من سنة بالولايات المتحدة الأمريكية على نفقة المؤسسة، قبل أن يغادر منصبه مباشرة بعد عودته ويؤسس شركة خاصة في نفس مجال تخصص المؤسسة التي كان يشتغل بها، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول استغلال المال العام في تكوينات لا تنعكس نتائجها على المرفق العمومي.
كما رصدت التحقيقات تناقضات بين وثائق محاسباتية وتصريحات إدارية مرتبطة بمصاريف مهمات خارجية، إلى جانب تسجيل تعويضات مالية عن مهام لم يتم تنفيذها فعليا، فضلا عن استعمال بطاقات أداء دولية خُصصت لمصاريف إدارية في تغطية نفقات ذات طابع شخصي.
وامتدت عمليات التدقيق، بتنسيق مع بنك المغرب ومكتب الصرف، إلى تتبع المعاملات المالية المرتبطة بهذه النفقات، خاصة بعد تسجيل تجاوزات في استعمال الاعتمادات المخصصة للتكوين والتأهيل، وتحويل بعضها إلى واجهات لصرف أموال عمومية خارج الأهداف المحددة لها.
ويرى متابعون أن هذه التحقيقات تعكس توجها متزايدا نحو تشديد المراقبة على تدبير المال العام، خصوصا في ظل المطالب المتكررة بضرورة ترتيب المسؤوليات وربط نتائج تقارير الافتحاص بإجراءات عملية وزجرية تضمن حماية الأموال العمومية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
كما أعادت هذه القضية إلى الواجهة مطالب بتقوية آليات الرقابة الداخلية داخل المؤسسات العمومية، ووضع معايير أكثر صرامة لتدبير نفقات التكوين والسفريات، بما يضمن الشفافية والنجاعة وربط أي مصاريف بالمردودية الحقيقية للمرفق العمومي وخدمة الصالح العام.

