يقين 24 -حمزه لخضر
في الوقت الذي تتعالى فيه المطالب بتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، عبّرت فعاليات من المجتمع المدني بالحي الحسني عن استغرابها من إسقاط مقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ملف الدعم الذي بلغت قيمته 2800 مليار سنتيم، معتبرة أن هذا القرار يثير تساؤلات عميقة حول دور المؤسسات المنتخبة في مراقبة تدبير المال العام وحماية حق المواطنين في المعرفة.
ويرى عدد من الفاعلين الجمعويين أن تصويت 83 مستشاراً ضد فتح تحقيق برلماني في ملف أثار جدلاً واسعاً لدى الرأي العام، لا يمنع المواطنين من طرح الأسئلة المشروعة حول أوجه صرف هذه الأموال العمومية ومدى تحقيقها للأهداف التي رُصدت من أجلها. فالأموال العمومية ليست ملكاً لأشخاص أو جهات معينة، وإنما هي أموال تخص الأمة بأكملها، ومن حق المواطنين الاطلاع على كيفية تدبيرها.
ويؤكد متتبعون للشأن العام أن الدستور المغربي جعل من مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة أسساً لتدبير الشأن العام، كما نص الفصل 27 من الدستور على أن للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، وذلك وفق الشروط والضوابط التي يحددها القانون.
وانطلاقاً من هذا المبدأ الدستوري، فإن مطالبة المواطنين أو جمعيات المجتمع المدني بتوضيحات ومعطيات حول ملفات تهم المال العام لا يمكن اعتبارها تشكيكاً أو مزايدة، بل هي ممارسة لحق دستوري مشروع يهدف إلى تعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين. كما أن القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات منح للأفراد والجمعيات إمكانية طلب المعلومات والمعطيات المتوفرة لدى المؤسسات العمومية وفق المساطر القانونية المعمول بها.
وفي هذا السياق، تستحضر فعاليات المجتمع المدني بالحي الحسني التوجيهات الملكية التي جعلت من مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” حجر الزاوية في بناء دولة المؤسسات، معتبرة أن الشفافية في تدبير المال العام وكشف الحقائق للرأي العام ينسجم مع هذا التوجه الذي يهدف إلى ترسيخ الثقة وتعزيز الحكامة الجيدة.
وفي المقابل، فإن التصويت ضد تشكيل لجنة تقصي الحقائق يُعد موقفاً سياسياً يدخل ضمن الاختصاصات الدستورية للمستشارين والنواب داخل المؤسسة التشريعية، ولا يمكن اعتباره في حد ذاته دليلاً على وجود مخالفات أو خروقات، مع احتفاظ المواطنين والجمعيات بحقهم الكامل في التساؤل وطلب التوضيحات حول القضايا المرتبطة بالشأن العام.
غير أن السؤال الذي يطرحه عدد من المواطنين اليوم لا يتعلق فقط بسبب رفض لجنة تقصي الحقائق، بل يمتد إلى معرفة الجهة التي يمكن اللجوء إليها عندما تُغلق أمامهم هذه الآلية البرلمانية. فإذا كان البرلمان قد صوّت ضد تشكيل اللجنة، فمن أي باب يمكن للمواطن أن يطالب بكشف الحقيقة؟ وإلى من يتوجه للحصول على الأجوبة المرتبطة بملف يهم المال العام ويثير نقاشاً وطنياً واسعاً؟
وترى فعاليات جمعوية أن إسقاط لجنة تقصي الحقائق لا يعني بالضرورة إسقاط حق المواطنين في التساؤل أو المطالبة بالتوضيحات، لأن الحق في المعلومة حق دستوري، ولأن المال العام يظل شأناً يهم جميع المغاربة. وتؤكد أن المنتخبين، بصفتهم ممثلين للأمة، مطالبون بتقديم التفسيرات اللازمة للرأي العام وتوضيح خلفيات مواقفهم من القضايا التي تثير اهتمام المواطنين، في إطار النقاش الديمقراطي واحترام المؤسسات.
كما تتساءل جمعيات المجتمع المدني بالحي الحسني عن مواقف نواب ومستشاري المنطقة من هذا الملف، وعن مدى استعدادهم للتفاعل مع انشغالات الساكنة وتنوير الرأي العام المحلي بشأن قضية أصبحت محور نقاش داخل مختلف الأوساط المجتمعية.
إن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالصمت، وإنما تُبنى بالوضوح واحترام حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة. فكلما اتسع مجال الشفافية، تعززت الثقة وترسخت صورة المؤسسات لدى الرأي العام، أما عندما تغيب الأجوبة وتُغلق أبواب التوضيح، فإن الأسئلة لا تختفي، بل تزداد إلحاحاً.
واليوم، ومن قلب الحي الحسني، يتردد سؤال واحد على ألسنة العديد من الفاعلين المدنيين: لماذا أُسقطت لجنة تقصي الحقائق في ملف الدعم البالغ 2800 مليار سنتيم؟ ومن يتحمل مسؤولية إقناع المواطنين بسلامة التدبير وشفافية الإجراءات؟ وهل يكفي التصويت ضد لجنة التحقيق لإغلاق الملف، أم أن حق المغاربة في معرفة الحقيقة سيظل قائماً إلى أن تتضح جميع المعطيات المرتبطة بهذا الملف الذي يهم المال العام؟

