يقين24
تحقيقٌ لـ«يقين 24» يفكّك أزمةَ عمال النظافة — من فحوصاتٍ ابتلع نتائجَها الصمتُ أزيد من نصف عام، و«طمأنةٍ» أصدرتها الإدارةُ بدل طبيب الشغل، إلى بذلةِ صيفٍ تأخّرت شهراً في عزّ موجة حرٍّ لامست 43 درجة، وحذاءٍ واقٍ ما زال غائباً، وشهاداتٍ عن «حكّةٍ» داوتها الحنّاء… والقانونُ يقف شاهداً على كل ذلك.

يقين24 في كل صباحٍ، قبل أن تستيقظ المدينةُ وتفتح نوافذَها على يومٍ نظيف، تكون أيادٍ متعبةٌ قد سبقتها إلى الشارع، ترفع الأوساخَ وتُعيد للأزقّة وجهَها المشرق. غير أن هذه الأيادي ذاتها، التي تحرس الصحةَ العامة والبيئة، كثيراً ما تُترَك في العراء: بلا وقايةٍ تصونها، وبلا نتيجةٍ تطمئنها، وبلا حارسٍ يذكّر بأن لها كرامةً نصّ عليها القانون. هذه، باختصار، حكايةُ عمال النظافة بإقليم خريبكة؛ حكايةٌ اختصرها العمالُ أنفسهم في تعبيرٍ موجعٍ صار عنواناً للملف: «حياةُ الماعز».
لم تولد هذه العبارةُ من فراغ، بل من تراكمٍ صبورٍ للاختلالات، تتبّعته الصحافةُ عبر تغطياتٍ متتالية خلال الأسابيع الماضية. واليوم، تجمع «يقين 24» خيوطَ القضية في تحقيقٍ واحد، لا بحثاً عن ضجيج، بل انتصاراً لفكرةٍ عارية: أن ما يفرضه القانونُ ليس تفضّلاً يُنتظَر، وأن كرامةَ العامل — كما تقول مدونة الشغل حرفاً — لا تتجزأ. ولأن الجرحَ هنا ثلاثيُّ الأبعاد، نفتحه جرحاً جرحاً.
السياق: أرضٌ من فوسفاط، وعمالٌ في مهبّ المخاطر
يقع إقليمُ خريبكة في قلب المجال المنجمي الفوسفاطي، حيث الغبارُ جزءٌ من الهواء والأتربةُ رفيقةُ العمل. وتتولّى تدبيرَ قطاع النظافة به شركةٌ مفوَّضٌ لها، هي «شركة ورديغة للبيئة»، تحت إشراف «مجموعة الجماعات الترابية ورديغة لتدبير النفايات الصلبة والمماثلة». أما العاملون، فيزاولون واحدةً من أكثر المهن عرضةً للأذى: مناولةَ النفايات، والاحتكاكَ بالحادّ والملوِّث، والعملَ في الشارع تحت رحمة الطقس. ورغم الاعتمادات المالية المهمة التي تُرصَد للقطاع، والتي عرفت ارتفاعاً متواصلاً، يظلّ السؤالُ معلّقاً: أين موقعُ الإنسان — جوهرِ أيّ مرفقٍ عمومي — من ترتيب الأولويات؟
الجرح الأول: رئةٌ بلا نتيجة

بدأت القصةُ من حيث ينبغي أن تبدأ العنايةُ: من الصحة. فقد نُظّمت حملةٌ طبيةٌ لفائدة العمال، جاءت أصلاً استدراكاً لغيابٍ سابقٍ للمراقبة الطبية الدورية. لكنّ ما وُلد ليكون طمأنينةً استحال قلقاً، حين ابتلع الصمتُ نتائجَ الفحوصات أزيد من نصف عام. وهنا يسقط جوهرُ الفكرة؛ إذ إن الطبَّ المهني يقوم على الكشف المبكر، وكلُّ شهرٍ يمرّ دون أن يعرف الأجيرُ نتيجتَه هو شهرٌ يُقتطَع من فرصته في الوقاية.
ثم جاء إعلانُ السادس من يوليوز 2026 ليضاعف الأسئلةَ بدل أن يُنهيها. فقد أخبرت «الإدارة»، في بلاغٍ موقّعٍ باسمها، أن نتائج الفحص بالأشعة على الأمراض الصدرية قد وصلت، وأنها في الملفات الطبية وتخضع للسر المهني، وأن بعض الحالات القليلة ستُتابَع، مؤكّدةً أنها «لا تشكّل أي خطر… فهي حالاتٌ جدّ بسيطة».
بلاغٌ يبدو مطمئِناً، لكنه — على ضوء القانون — يطرح ثلاثةَ أسئلةٍ لا تُطمئن:
أولها في ترتيب الأشياء. فمدونة الشغل تفرض في مادتها 327 فحصاً طبياً سنوياً لكل أجير، غايتُه أن يعرف العاملُ حالتَه بنفسه ويستفيد من التوجيه المناسب. النتيجةُ ملكُ صاحبها أولاً، والملفُّ وعاءُ حفظٍ لا بديلٌ عن حقّ الإنسان في أن يُخبَر عن جسده. فهل نال كلُّ عاملٍ نتيجتَه الفردية وشرحَها، قبل أن يُغلَق البابُ برسالةٍ جماعية؟
وثانيها في صاحب الصلاحية. فمن الذي يملك أن يقول لعاملٍ إن حالتَه «بلا خطر»؟ لقد أحاطت المادة 314 طبيبَ الشغل باستقلالٍ خاص، يؤدي مهمته «بكل استقلالٍ وحرية، سواء إزاء المشغّل أو تجاه الأجراء»، لأن الحكمَ الطبي اختصاصُ الطبيب لا الإدارة. وحين تتولّى جهةُ التشغيل الطمأنةَ بنفسها، يلتبس الاختصاص، وتتداخل المواقع، ما دام مَن يُطمئن هو ذاته مَن قد يُساءَل غداً.
وثالثها في مفارقة السر المهني. فالبلاغُ يحتمي بأن النتائج «تخضع للسر المهني»، وهو حقٌّ في أصله؛ لكنّ هذا السرّ إنما شُرِّع لحماية الأجير ويسري في مواجهة المشغّل، والقاعدةُ أن الإدارةَ لا تطّلع إلا على الخلاصة (لائق/غير لائق) دون التفاصيل. فكيف، إذن، تصف الإدارةُ علناً مضمونَ ملفاتٍ تقول هي إنها محجوبةٌ بالسر، فتجزم بأن الحالات «بسيطة»؟ هذه ليست محاكمةً للنوايا، بل مساءلةٌ للمسطرة، تفرضها طبيعةُ فحصٍ للرئة، لدى فئةٍ تتنفّس الغبارَ كلَّ يوم.
الجرح الثاني: جسدٌ بلا وقاية تحت اللهيب
لم يكن الصيفُ الذي انتظر فيه العمالُ بذلاتِهم صيفاً عادياً. فقد وثّقت المديريةُ العامة للأرصاد الجوية موجةَ حرٍّ استثنائية بنشراتٍ إنذارية من مستوى «اليقظة البرتقالية»، أدرجت خريبكة ضمن أقاليمَ راوحت حرارتُها بين 40 و43 درجة، وسجّلت وطنياً تجاوزَ 14 مدينةً عتبةَ الأربعين يوم السادس من يوليوز، بفارقٍ عن معدلات الشهر بلغ في بعض المحطات ما بين خمس وثلاث عشرة درجة. ودعت السلطاتُ الناسَ إلى تجنّب الشمس في ساعات الذروة — بينما كان عاملُ النظافة مأموراً بأن يواجهها، بلا لباسٍ يقيه.
هنا يرفع القانونُ صوتَه بوضوح. فالمادة 24 تُلزم المشغّل باتخاذ «جميع التدابير اللازمة لحماية سلامة الأجراء وصحتهم، وكرامتهم». الكرامةُ، هكذا، كلمةٌ في متن التشريع لا في هامش الخطابة؛ وتركُ العامل بلا لباسٍ ملائمٍ وسط موجة حرٍّ مسٌّ صريحٌ بها. وتُضيف المادة 281 مسؤوليةَ المشغّل عن شروط الوقاية الصحية والسلامة، فيما تُلزمه مقتضياتُ الصحة والسلامة بأن يوفّر ويصون الملابسَ والمعداتِ الملائمة للوقاية من المخاطر، ومنها الحرارةُ صراحةً. فبذلةُ الصيف وقايةٌ لا هديّة؛ والإخلالُ بذلك يُعرّض المخالفَ لغراماتٍ قد تبلغ ما بين 10.000 و20.000 درهم، إلى جانب سلطة مفتش الشغل في الإنذار والمتابعة.

الجرح الثالث: قدمٌ حافية… وكرامةٌ تُداوى بالحنّاء
يوم الاثنين 13 يوليوز، انفرجت الأزمةُ جزئياً: وصلت البذلة. لكنها وصلت بلا حذاء. وفي مهنةٍ كهذه، ليس الحذاءُ ترفاً؛ إنه خطُّ الدفاع الأول عن العضو الأكثر عرضةً للخطر، حيث الزجاجُ المكسور، والمعدنُ الحادّ، والمسمارُ الواخز، والأرضُ الزلقة، والإسفلتُ الملتهب. لذلك يُعدّ الحذاءُ الواقي من صميم معدات الوقاية الفردية التي يتحمّل المشغّلُ توفيرَها وعلى نفقته، لا على حساب الأجير.
على أن الجرحَ لا يقف عند الغياب، بل يمتدّ إلى النوعية حين يحضر. فالقاعدةُ أن معدات الوقاية يجب أن تكون مطابقةً للمواصفات، ومعها ملائمةً لجسم العامل ومريحةً له؛ إذ المعدةُ التي تؤذي مُرتديها تخون وظيفتَها من أصلها. وهنا تطلّ شهاداتٌ عن حالاتٍ سابقة، تسبّبت فيها أحذيةٌ وُزّعت من قبل في حكّةٍ والتهاباتٍ جلديةٍ في الأقدام، حتى لجأت بعضُ العاملات إلى الحنّاء طلباً للتخفيف. صورةٌ في منتهى البلاغة: امرأةٌ تُداوي أثرَ تجهيزٍ رديءٍ بوصفةٍ من تراث الجدّات، لأن ما مُنِح لها لم يكن على قدر المواصفة ولا على قدر الحرّ. أليست هذه، في صميمها، «حياةَ الماعز» عينها — وجودٌ يُترَك فيه الإنسانُ ليُدبّر أمرَه بالصبر والحيلة، بدل أن يُصان بما كفله له القانون؟
القانون لا يترك ثغرة: «دفتر التحملات» لا يعلو على مدونة الشغل
يتكرّر في هذا الملف جوابٌ واحدٌ كلما ضاق الأمرُ: «غير منصوصٍ عليه في دفتر التحملات». وهو جوابٌ ينهار من أساسه؛ لأن الالتزامَ العام بحماية صحة الأجير وسلامته وكرامته، المنصوصَ عليه في المادتين 24 و281، يعلو فوق أيّ دفتر تحملات. فلا بندٌ، ولا صمتُ بندٍ، يُعفي المشغّلَ من واجبٍ فرضه المشرّع. بل إن دفتر التحملات، إن خلا من ذكر صحة العمال وسلامتهم، يصير هو نفسُه موضوعَ مساءلةٍ: مَن صاغه؟ ومَن يراقب تنفيذه؟
والمسؤوليةُ، في التحليل الأخير، مشتركة. فالشركةُ المفوَّض لها مُطالَبةٌ بالوفاء، ومجموعةُ الجماعات الترابية صاحبةُ التفويض مُطالَبةٌ بالرقابة والتتبّع ما دامت تُخصّص الاعتماداتِ وتُشرف على المرفق، ومفتشيةُ الشغل هي الجهةُ المخوّلة قانوناً بالمعاينة والإنذار والمتابعة. أما الإطارُ الناظمُ لكل ذلك، فمعالمُه واضحة في مدونة الشغل: المادة 304 (إحداث مصلحة طب الشغل)، والمادة 314 (استقلال الطبيب)، والمادة 325 (بطاقةُ المخاطر الإجمالية للمشغّل لا النتائج الفردية)، والمادة 327 (الفحص السنوي)، فضلاً عن مقتضيات معدات الوقاية الفردية وشروط توفيرها ومطابقتها.
الرأي والرأي الآخر: ماذا قالت الشركة؟
حرصاً على النزاهة، يُسجَّل أن الشركةَ تفاعلت مع إثارة الملف: فأوضحت أنها توصّلت بالنتائج مطلعَ يونيو وأنها بصدد دراستها مع طبيب الشغل، وأبدت استعداداً لدراسة توفير فحوصات البصر للسائقين مستقبلاً رغم اعتبارها خارجَ دفتر التحملات، ثم باشرت توزيعَ الزيّ الصيفي. غير أن أسئلةً تظلّ تنتظر جواباً حاسماً: هل توصّل كلُّ عاملٍ بنتيجته الفردية؟ وعلى أيّ سندٍ صدر الوصفُ الطبي عن «الإدارة»؟ ومتى يصل الحذاءُ، وبأيّ مواصفات؟ ومن يضمن ألا تتكرّر تجربةُ الأحذية المؤذية؟
ما العمل؟
لأن غايةَ التحقيق فعلٌ لا انفعال، تتقدّم «يقين 24» بمطالبَ عمليةٍ إلى الأطراف المعنية كافة:
• تمكينُ كل عاملٍ من نتيجته الطبية الفردية ومن توجيهٍ طبيٍّ مباشرٍ عبر طبيب الشغل، مع توضيح كيفية صون سرّية المعطيات.
• تسليمُ الأحذية الواقية دون تأخير، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الزيّ ومن منظومة الوقاية.
• ضمانُ مطابقة معدات الوقاية للمواصفات وملاءمتها للصيف، بموادّ لا تُثير الحساسية وبمقاساتٍ سليمة، مع إشراك العمال أو ممثّليهم.
• تفعيلُ دور مفتشية الشغل في المعاينة الميدانية والتتبّع.
• مراجعةُ دفتر التحملات لسدّ كل ثغرةٍ تمسّ صحةَ العمال وسلامتهم.
• نهوضُ مجموعة الجماعات الترابية بدورها الرقابي على المرفق المفوَّض.
قد تُكنَس الشوارعُ فتلمع، لكنّ لمعانَها يبقى ناقصاً ما دام الذي يكنسها يعود إلى بيته بجسدٍ مُنهَكٍ وقدمٍ موجوعةٍ وسؤالٍ عالقٍ عن رئتيه. إن كرامةَ عاملة النظافة وعاملها ليست منّةً، بل حقٌّ يحرسه القانونُ ويصونه الضميرُ العام؛ وما تحقّق من خطواتٍ يُثمَّن، لكنه لا يُغلق ملفاً ما زالت فيه الحمايةُ منقوصةً والأسئلةُ قائمة.
تبقى «يقين 24» ملتزمةً بتتبّع هذا الملف إلى منتهاه، ويظلّ بابُها مفتوحاً أمام كل توضيحٍ من الجهات المعنية. فالعبرةُ ليست في أن تُنظَّف المدينةُ فحسب، بل في أن يُصان الإنسانُ الذي ينظّفها — من رأسه إلى أخمص قدميه. وإلى أن يتحقّق ذلك، يبقى سؤالٌ واحدٌ معلّقاً فوق كل الطاولات: إلى متى يُطلَب من إنسانٍ أن يعمل في صمت… ويُكابد «حياةَ الماعز»؟

