بدل أن يتحمل رئيس المجلس الجماعي مسؤوليته السياسية والأخلاقية والإدارية تجاه ما وقع بمقبرة الشهداء، اختار إصدار بلاغ إنشائي سطحي يحاول من خلاله التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على “أيادٍ آثمة”، وكأنه حسم في أسباب الحريق قبل أن تستكمل الضابطة القضائية أبحاثها، وقبل أن تقول النيابة العامة كلمتها.
ويثير هذا البلاغ أكثر من علامة استفهام، خاصة في ظل وجود اتفاقية شراكة مع جمعية تُعنى بتدبير شؤون المقبرة، استفادت، حسب المعطيات المتداولة، من دعم مالي قدره 30 مليون سنتيم سنويًا على مدى سنتين، أي ما مجموعه 60 مليون سنتيم. ومن بين الالتزامات الأساسية الواردة في الاتفاقية تنظيف المقبرة، وإزالة الأعشاب والحشائش وكل ما قد يشكل خطرًا على سلامة المكان.
وإذا كانت هذه الالتزامات لم تُنفذ بالشكل المطلوب وفق الاتفاقية، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام بنودها، والجهة التي تحمي رئيس الجمعية، وكيفية صرف الأموال العمومية التي توصل بها، ومدى قيام رئيس المجلس الجماعي بدوره في تتبع تنفيذ الاتفاقية ومراقبة احترام الالتزامات التعاقدية، تحقيقًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن ما يُتداول بشأن وجود علاقة مصاهرة بين مسؤولين بالجمعية وأحد المسؤولين بالجماعة، إن ثبتت صحته وكانت لها صلة بتدبير هذا الملف، فقد يثير شبهة تضارب المصالح، وهو ما يستوجب، عند الاقتضاء، فتح تحقيق إداري وقضائي للتأكد من مدى احترام قواعد النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص في تدبير المال العام.
أما إذا كان رئيس المجلس يتوفر بالفعل على معطيات تؤكد أن الحريق كان فعلًا إجراميًا وأن وراءه فاعلًا أو فاعلين، فإن واجبه القانوني يقتضي وضع تلك المعطيات رهن إشارة النيابة العامة والجهات المختصة، بدل تضمينها في بلاغ يستبق نتائج البحث ويقدم استنتاجات قبل مباشرة الإجراءات القانونية اللازمة.
وإلا فإن عدم تقديم ما يفيد ادعاءاته للرأي العام قد يضعه، من حيث المبدأ، أمام المساءلة القانونية المرتبطة بالتبليغ غير المؤسس أو نشر معطيات غير دقيقة. فإخبار الرأي العام بوقوع جريمة وهمية قد يندرج ضمن الأفعال المعاقب عليها قانونًا، باعتبارها جنحة تبليغ كاذب أو نشر أخبار زائفة من شأنها المساس بالنظام العام. ويقرّ المشرع في هذا الإطار جزاءات صارمة في حق كل من يثبت تورطه في تضليل العدالة أو إثارة الفزع بين المواطنين.
كما نؤكد أن اختصاصات رئيس المجلس، بصفته المشرف على إحداث وتنظيم وصيانة مرفق المقابر، تُعد من الاختصاصات الذاتية للجماعة وفق أحكام القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات والنصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل. كما يمارس رئيس الجماعة اختصاصات الشرطة الإدارية في مجال الجنائز والمقابر، ويسهر على حماية هذا المرفق العمومي والمحافظة على نظافته وصيانته وضمان سلامة مرتاديه واحترام حرمته.
وعليه، فإن المسؤولية تبدو قائمة، وندعو إلى فتح بحث من طرف الجهات المختصة والقضائية حول وجود أي تقصير في تدبير هذا المرفق. فالمعطيات المتداولة، بحسب طبيعة الوقائع، قد تثير مسؤوليات إدارية ومالية وتأديبية، وقد تترتب عنها أيضًا مسؤوليات جنائية، وعلى الخصوص ما يتعلق بجريمة الإهمال وأفعال أخرى يجرمها القانون.
كما أن الإخلال بتنفيذ اتفاقيات الشراكة، وضعف مراقبة صرف الأموال العمومية، وعدم احترام الالتزامات المتعلقة بصيانة المقبرة، يستوجب افتحاصًا وتدقيقًا من طرف سلطة الرقابة المختصة، من أجل تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المترتبة عنها.
إن هذا البلاغ لا يعفي رئيس المجلس من مسؤوليته السياسية والإدارية والقانونية، ولا يحول دون مساءلة كل من قد يثبت البحث مسؤوليته عن أي تقصير أو إخلال في حماية وصيانة المقبرة، باعتبارها مرفقًا عموميًا يدخل ضمن اختصاصات رئيس الجماعة ويستوجب عناية دائمة.
إن الحريق الذي التهم قبور الشهداء والموتى ليس مجرد حادث عابر، بل يكشف حجم الهشاشة التي تعانيها المدينة في تدبير عدد من المرافق العمومية. فالمدينة التي ارتبط اسمها بالشهداء وبالتضحيات الوطنية، والتي يرقد في مقبرتها رجال صنعوا تاريخها، تعيش اليوم تحديات تنموية كبيرة تمس البنية التحتية والخدمات الأساسية .
إن احترام حرمة الموتى يبدأ بصيانة مقابرهم وحمايتها، لا بإصدار بلاغات تستبق نتائج التحقيق أو تحاول صرف الأنظار عن المسؤوليات المحتملة. فالمسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي المصارحة مع المواطنين، وتحمل المسؤولية، والعمل على معالجة أوجه القصور بدل إنكارها.
وفي الأخير، فإن الحقيقة الكاملة يجب أن يكشفها البحث القضائي، بعيدًا عن أي مزايدات سياسوية أو ضجيج إعلامي، وذلك من خلال تحديد المسؤوليات بكل شفافية، سواء تعلق الأمر بوجود فعل إجرامي، أو بتقصير أو إخلال في تدبير هذا المرفق العمومي، أو بأي شبهة تتعلق بتدبير المال العام أو تضارب المصالح، وفقًا لما ستسفر عنه التحقيقات والقانون. فكرامة الأحياء تبدأ باحترام حرمة الأموات، وسيادة القانون تقتضي خضوع الجميع للمساءلة على أساس الوقائع الثابتة والنصوص القانونية.
محمد سقراط : عن فريق المعارضة بالمجلس الجماعي لوادي زم.

