يقين 24
عاد الجدل حول مشاريع القوانين المنظمة لمهنة المحاماة إلى الواجهة، عقب قرار للمحكمة الدستورية قضى بتعذر البت في الإحالة المعروضة عليها في صيغتها الحالية، بسبب عدم استيفائها للشروط والإجراءات المنصوص عليها دستورياً وقانونياً.
وأثار القرار نقاشاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والمهنية، خصوصاً أنه لم ينصرف إلى فحص مضمون المقتضيات التشريعية المحالة، وإنما توقف عند الجانب المسطري المرتبط بطريقة الإحالة إلى المحكمة الدستورية.
وفي هذا السياق، دخلت الهيئة المغربية لحقوق الإنسان والبيئة بجهة الدار البيضاء-سطات على خط النقاش، معتبرة أن ما وقع يستدعي قراءة أوسع من مجرد اعتبار القرار مسألة إجرائية، وداعية إلى إعادة النظر في طريقة تدبير التشريعات المرتبطة بمهنة المحاماة.
وقال فؤاد غرسا، رئيس الهيئة المغربية لحقوق الإنسان والبيئة بجهة الدار البيضاء-سطات، إن قرار المحكمة الدستورية يكشف، بحسب تقديره، عن اختلالات في تدبير النصوص ذات الصلة بمهنة المحاماة، معتبراً أن الوقوف عند العيوب المسطرية قبل الوصول إلى جوهر النص يطرح أسئلة حول جودة المسار التشريعي.
وأضاف غرسا أن مهنة المحاماة ترتبط بشكل مباشر بضمان الحق في الدفاع وشروط المحاكمة العادلة، وبالتالي فإن أي تعديل للإطار القانوني المنظم لها، وفق رأيه، ينبغي أن يتم في إطار يراعي استقلالية المهنة والضمانات المرتبطة بالحقوق والحريات.
وشدد رئيس الهيئة على رفض ما وصفه بأي توجه قد يؤدي إلى تقييد استقلالية المحاماة أو تحميل المواطن أعباء إضافية تحول دون الولوج المتكافئ إلى العدالة، داعياً إلى اعتماد مقاربة تشريعية أكثر تشاوراً وانفتاحاً على مختلف المتدخلين.
وفي هذا الإطار، حذرت الهيئة من أن استمرار حالة عدم الحسم في الإطار القانوني المنظم للمهنة قد يساهم في زيادة حالة عدم اليقين لدى المهنيين والمتقاضين، داعية إلى معالجة الاختلالات المسطرية والقانونية في أقرب وقت ممكن.
كما ربطت الهيئة بين استقرار المنظومة القانونية وبين مناخ الأعمال والاستثمار، معتبرة أن وضوح القواعد المنظمة للعدالة والمهن القانونية يشكل أحد عناصر الثقة الضرورية بالنسبة للمستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين، ولا سيما بجهة الدار البيضاء-سطات باعتبارها أحد أهم الأقطاب الاقتصادية بالمملكة.
ودعت الهيئة، في موقفها، إلى مراجعة المسار التشريعي المرتبط بمهنة المحاماة وفق مقاربة تضمن احترام المرجعية الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان، مع التأكيد على ضرورة صيانة الحق في الدفاع واستقلالية المهنة.
كما طالبت بتشكيل آلية وطنية مستقلة وموضوعية للنظر في الاختلالات المسطرية المرتبطة بالإحالة، والعمل على تجاوزها بما يسمح للمؤسسة الدستورية المختصة بممارسة اختصاصاتها وفق الشروط القانونية المطلوبة.
ولم تقف مطالب الهيئة عند الجانب المؤسساتي، إذ دعت أيضاً إلى فتح حوار تشاركي يضم مختلف الفاعلين، من هيئات مهنية وحقوقيين وخبراء في القانون وممثلي المجتمع المدني، باعتبار أن الإطار القانوني لمهنة المحاماة يتجاوز، في نظرها، البعد المهني ليطال حق المواطنين في الولوج إلى العدالة وضمان المحاكمة العادلة.
ويأتي هذا الموقف في وقت تتواصل فيه النقاشات حول مستقبل مهنة المحاماة والإطار التشريعي المنظم لها، وسط مطالب بضرورة تحقيق التوازن بين تحديث المهنة وضمان استقلاليتها، وبين حماية حقوق المتقاضين وتيسير الولوج إلى خدمات العدالة.
وأكدت الهيئة المغربية لحقوق الإنسان والبيئة بجهة الدار البيضاء-سطات، وفق موقفها المعلن، أنها ستواصل متابعة الملف، مع استعدادها لسلوك الأشكال القانونية والمشروعة للتعبير عن مواقفها والدفاع عن ما تعتبره ضمانات أساسية لاستقلال العدالة والحق في الدفاع.

