بقلم: محمد خياتي، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة المغرب
تُشكل المحطات الانتخابية اختبارًا حقيقيًا لمدى تماسك التنظيمات الحزبية وقدرتها على بناء جسور الثقة مع القواعد الشعبية والانتخابية. وفي حالة حزب الاستقلال، العريق بمرجعيته وتاريخه السياسي، فإن فقدان الحزب لمقعده البرلماني بدائرة القنيطرة خلال الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، بعدما كان قد فاز به في الاستحقاقات السابقة، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نتيجة انتخابية عابرة، بل باعتباره محطة تستدعي، من وجهة نظر الكاتب، وقفة نقدية لمراجعة عدد من الاختيارات التنظيمية والتدبيرية على المستوى المحلي.
فقد تمكن محمد العزري من الفوز بمقعد برلماني عن دائرة القنيطرة في انتخابات 2021، قبل أن تنتهي المنافسة الانتخابية الأخيرة دون تمكنه من الحفاظ عليه. كما تراجع رصيد الأصوات التي حصل عليها من 16,643 صوتًا سنة 2021 إلى 4,074 صوتًا في انتخابات 23 شتنبر 2026، وفق معطيات منشورة حول نتائج الدائرة.
ومن هذا المنطلق، يطرح فقدان المقعد بمدينة القنيطرة، بحسب قراءة الكاتب، أسئلة متعددة حول طبيعة تدبير المرحلة السابقة، ومدى نجاح التنظيم المحلي في الحفاظ على صلته بالقواعد الانتخابية والحزبية، فضلًا عن كيفية تدبير الترشيح والحملة الانتخابية والعلاقة بين مختلف مكونات الحزب.
1. “تجبر المرشح” والانفصال عن نبض الشارع
من بين الأسباب التي يطرحها الكاتب لتفسير هذه الانتكاسة السلوك السياسي للمرشح الذي جرى تزكيته، معتبرًا أن اعتماد خطاب يقوم على التواضع والتواصل القريب مع المواطنين والاستماع إلى مشاغلهم المحلية كان من شأنه تعزيز الثقة، في مقابل ما يصفه بـ”التجبر” والاستعلاء والاعتماد المفرط على النفوذ والتوازنات الفوقية.
ويرى الكاتب أن هذا السلوك، وفق قراءته، انعكس على علاقة المرشح بجزء من الهيئة الناخبة، كما أثر على حماس بعض القواعد الحزبية خلال الحملة الانتخابية.
2. قلة خبرة “المفتشية” وغياب الحكمة التنظيمية
يعتبر الكاتب أن تدبير التنظيم المحلي خلال هذه المحطة الانتخابية يستحق بدوره المراجعة، خصوصًا على مستوى إدارة التوازنات الداخلية وقراءة الخريطة الانتخابية والتوجيه والتأطير.
ويطرح المقال تساؤلات حول مدى قدرة المسؤولين التنظيميين على استيعاب الخلافات الميدانية وبناء التوافقات، فضلًا عن مدى دقة المعطيات والتقارير التي تم الاعتماد عليها في تقدير حظوظ الحزب بدائرة القنيطرة.
3. نهج الإقصاء وتهميش “أبناء التنظيم” والفاعلين الأصليين
يربط الكاتب خسارة المقعد كذلك بما يصفه بمسار من تهميش عدد من الفاعلين الميدانيين والمناضلين التاريخيين للحزب وأبناء شبيبته وروابطه المهنية.
وبحسب هذه القراءة، فإن إضعاف حضور هذه الطاقات داخل الحملة الانتخابية قد تكون له انعكاسات على التعبئة التنظيمية، خصوصًا في محطة انتخابية كان فيها الحزب مطالبًا بالحفاظ على المقعد الذي سبق أن فاز به.
4. العوامل المكملة: كيف اكتملت عناصر الانتكاسة الانتخابية؟
إلى جانب العوامل التي يوردها الكاتب، يطرح المقال مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالعلاقة بين القيادة المركزية والتنظيم المحلي، وآليات صناعة القرار الانتخابي، ومدى إشراك القواعد في اختيار المرشحين، فضلًا عن الحاجة إلى تجديد الخطاب السياسي والتواصل الميداني بما يتلاءم مع انتظارات الناخبين بمدينة القنيطرة.
5. خارطة طريق لتدارك الموقف وإعادة بناء البيت الداخلي
يرى الكاتب أن فقدان المقعد البرلماني بالقنيطرة ينبغي أن يشكل مناسبة لمراجعة الأداء التنظيمي والسياسي، من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح حوار داخلي مع مختلف مكونات الحزب، وتعزيز مشاركة المناضلين والطاقات الشابة، ومأسسة آليات اختيار الترشيحات، إلى جانب تطوير التواصل الميداني والاقتراب المستمر من المواطنين.
وتظل خسارة حزب الاستقلال لمقعده البرلماني بدائرة القنيطرة محطة انتخابية تفرض، وفق رؤية الكاتب، قراءة هادئة ومسؤولة لأسباب التراجع، بعيدًا عن الاكتفاء بتفسير النتيجة بعوامل ظرفية، وذلك بهدف استخلاص الدروس وإعادة بناء الثقة التنظيمية والجماهيرية استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.

