يقين24 – أحمد زعيم
في واقعة أثارت نقاشا حقوقيا وإنسانيا بإحدى الجماعات القروية التابعة لإقليم الفقيه بن صالح، تم توقيف أشغال بناء مرحاض بسيط مخصص لامرأة مسنّة، بدعوى غياب الترخيص وإحترام مساطر التعمير، مع تسجيل إقدام العائلة على هدمه تفاديا لأي تبعات قانونية.

الحادثة أعادت إلى الواجهة إشكالية تنزيل قوانين التعمير في الوسط القروي، خاصة بالمناطق التي لا تتوفر أصلا على تصاميم تهيئة أو وثائق عمرانية مفصلة، ولا تستجيب لشروط الولوج إلى المنصات الرقمية المعتمدة في مساطر الترخيص.
من الناحية القانونية، يخضع البناء بالمغرب لمقتضيات القانون 12.90 المتعلق بالتعمير، فيما ينظم القانون 66.12 مسطرة مراقبة وزجر المخالفات وإيقاف الأشغال والهدم عند الاقتضاء. غير أن التطبيق الحرفي لهذه النصوص في سياقات اجتماعية هشة يطرح سؤال التوازن بين صرامة النص وروحه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمرفق صحي بسيط لا يندرج ضمن توسع عمراني أو استغلال تجاري، بل يهدف إلى توفير الحد الأدنى من شروط النظافة والكرامة.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن المعنية بالأمر امرأة مسنّة تقطن بمنطقة قروية تفتقر إلى وثائق التعمير التفصيلية، وأن المشروع لم يتجاوز مرحاضا صغيرا مزودا بكرسي قريب من غرفة النوم، مراعاةً لوضعها الصحي وسنها المتقدم، بدل المرحاض التقليدي البعيد عن المسكن. وهو ما يفتح نقاشا جوهريا حول مدى ملاءمة المساطر الإدارية المعتمدة لخصوصيات العالم القروي، وحول ضرورة إعتماد مساطر مبسطة تراعي البعد الإجتماعي والإنساني.

وفي سياق متصل، تعرف بعض المناطق القروية الأخرى بالإقليم تضرر عدد من المباني الهشة جراء التساقطات المطرية الأخيرة، ما يستدعي تدخلا إستعجاليا لترميمها درءًا لأي مخاطر محتملة على سلامة السكان، ويعزز الطابع الإجتماعي للملف باعتباره مرتبطا بشروط السكن اللائق والحماية من المخاطر الطبيعية…
حقوقيون وفاعلون محليون يعتبرون أن الحق في بيئة سليمة والعيش بكرامة يدخلان ضمن منظومة الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة، وأن المرافق الصحية الأساسية وترميم المساكن المتضررة ليست من الكماليات العمرانية الهامشية، بل ضرورة إنسانية وإجتماعية، خاصة بالنسبة للفئات الهشة في العالم القروي. في المقابل، تؤكد السلطات أن أي بناء أو إصلاح يظل خاضعا للقانون حماية للملك العام وتنظيما للمجال العمراني ومنعا للفوضى.
وبين منطق الضبط القانوني ونداء الكرامة الإنسانية، يبرز مطلب اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على:
فتح باب التسوية الإدارية بدل اللجوء الفوري إلى مسطرة الهدم.
تمكين الأسر المتضررة من تراخيص إستثنائية لترميم المباني المهددة بفعل التساقطات.
تفعيل آليات الدعم الإجتماعي لفائدة الفئات الهشة.
تبسيط المساطر بالمناطق غير المشمولة بتصاميم التهيئة.
الواقعة تضع مجددا سؤال العدالة المجالية في صلب النقاش: كيف يمكن تنزيل قوانين التعمير بروح إنسانية تراعي هشاشة بعض الحالات، دون الإخلال بمبدأ سيادة القانون؟
وفي هذا السياق، برزت دعوات موجهة إلى عامل إقليم الفقيه بن صالح، بصفته ممثل السلطة الترابية والمسؤول عن ضمان حسن تطبيق القانون في إطار يراعي المصلحة العامة، من أجل التدخل لإيجاد صيغة قانونية وإنسانية تسمح بإعادة بناء المرفق الصحي الخاص بالمرأة المسنّة، وتمكين الأسر المتضررة من التساقطات المطرية من ترميم مساكنها في إطار قانوني مبسط ومستعجل، بما يجسد التوازن المنشود بين هيبة القانون وصون الكرامة الإنسانية.
ملف قد يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يعكس إشكالا أعمق يتعلق بمدى قدرة المنظومة الإدارية على التوفيق بين صرامة النص القانوني ومتطلبات العدالة الإجتماعية في العالم القروي، حيث تصبح المقاربة الإنسانية جزءا لا يتجزأ من حسن تطبيق القانون.

