يقين 24
في خطوة وُصفت بالمفصلية في مسار إصلاح سوق الشغل، صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون جديد يروم تعديل بعض مقتضيات مدونة الشغل، بما يضع حداً لاختلال طال لسنوات وضعية حراس الأمن الخاص، الذين ظلوا يشتغلون في ظروف مهنية لا تعكس طبيعة المهام التي يضطلعون بها داخل المرافق العمومية والخاصة.
وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، أكد أن هذا التعديل يأتي استجابة لإشكال مزمن يرتبط أساساً بتنظيم وقت العمل، حيث كانت فئة واسعة من حراس الأمن تخضع لنظام عمل يمتد إلى 12 ساعة يومياً، مقابل أجر يُحتسب على أساس ثماني ساعات فقط، مستفيدة من ثغرة قانونية كانت تصنف هذه المهنة ضمن الأعمال ذات الطابع “المتقطع”.
وأوضح المسؤول الحكومي أن مشروع القانون رقم 32.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، يهدف إلى إخراج حراس الأمن الخاص من هذا التصنيف، وتمكينهم من الاستفادة من مدة العمل القانونية المحددة في ثماني ساعات يومياً، على غرار باقي الأجراء، وهو ما يشكل تحوّلاً نوعياً في اتجاه تكريس العدالة المهنية داخل هذا القطاع.
ويمس هذا الإجراء، بحسب المعطيات الرسمية، شريحة واسعة من العاملين، إذ يهم ما يقارب 120 ألف حارس أمن في القطاع العام، إضافة إلى ما بين 400 و500 ألف في القطاع الخاص المهيكل، مع تقديرات قد تصل إلى مليون عامل عند احتساب القطاع غير المهيكل، ما يعكس حجم الرهان الاجتماعي المرتبط بهذا الإصلاح.
ولم يُخفِ الوزير أن هذا التحول ستكون له كلفة مالية مهمة، حيث سيؤدي الانتقال من نظام العمل القائم على فترتين (12 ساعة) إلى نظام ثلاث فترات (8 ساعات) إلى رفع عدد المستخدمين، وبالتالي زيادة الميزانيات المخصصة لخدمات الحراسة، بنسبة قد تصل إلى ما بين 40 و50 في المائة، خاصة في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم.
ولتفادي أي ارتباك محتمل، أقرت الحكومة فترة انتقالية تمتد إلى 12 شهراً لتسوية العقود الجارية، في حين سيُفرض التطبيق الفوري للمقتضيات الجديدة على العقود المبرمة بعد دخول القانون حيز التنفيذ، وهو ما يعكس حرصاً على تحقيق توازن بين حماية حقوق العمال وضمان استمرارية الخدمات.
ويأتي هذا الإصلاح في سياق تنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي، وتنفيذاً للاتفاق الموقع في أبريل 2024، حيث شددت الحكومة على أن هذا القرار يتجاوز البعد التقني، ليحمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية تعكس توجهاً واضحاً نحو إنصاف فئات ظلت لسنوات خارج دائرة الحماية الكاملة.
وفي انتظار المصادقة البرلمانية النهائية، تراهن الحكومة على دور جهاز تفتيش الشغل لمواكبة تنفيذ هذا الورش، إلى جانب إطلاق حملات تحسيسية موجهة لشركات الأمن الخاص والإدارات المتعاقدة معها، بهدف ضمان الامتثال السلس للمقتضيات الجديدة.
وبين كلفة مالية مرتفعة ورهان اجتماعي كبير، يبدو أن إصلاح وضعية حراس الأمن الخاص يفتح صفحة جديدة في مسار إعادة التوازن لعلاقات الشغل، ويطرح في الآن ذاته تحديات التنفيذ على أرض الواقع.

