يقين 24 : محمد الحدوشي
في الرابع عشر من ماي من كل سنة، يستحضر المغاربة بكل فخر واعتزاز ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية، تلك المؤسسة الوطنية العريقة التي أرسى دعائمها جلالة المغفور له الملك محمد الخامس سنة 1956، لتكون منذ فجر الاستقلال درع الوطن الحصين، ورمز السيادة والوحدة والاستقرار. وتكتسي الذكرى السبعون لهذه المؤسسة بعداً وطنياً خاصاً، باعتبارها محطة لاستحضار مسار طويل من التضحيات والبطولات، وتجديد الاعتزاز بمؤسسة عسكرية ظلت وفية لشعارها الخالد: “الله، الوطن، الملك”.
ومنذ تأسيسها، شكلت القوات المسلحة الملكية إحدى الركائز الأساسية لبناء الدولة المغربية الحديثة، حيث اضطلعت بأدوار محورية في حماية الحدود والدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، والمساهمة في ترسيخ الأمن والاستقرار في مختلف ربوع الوطن. وعلى امتداد سبعة عقود، استطاعت هذه المؤسسة أن تواكب التحولات الكبرى التي عرفها العالم في مجالات الدفاع والأمن، عبر اعتماد رؤية استراتيجية قائمة على التحديث المستمر، والتكوين المتخصص، والانفتاح على أحدث التقنيات العسكرية.
وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، شهدت المؤسسة العسكرية المغربية نقلة نوعية جعلتها تحظى بمكانة متقدمة إقليمياً ودولياً. فقد انخرطت القوات المسلحة الملكية في برنامج طموح لتحديث بنياتها وتعزيز قدراتها العملياتية، من خلال اقتناء تجهيزات عسكرية متطورة، وتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، والرفع من كفاءة العنصر البشري عبر التكوين والتأهيل المستمر.
وفي هذا السياق، شكلت سنة 2026 محطة بارزة في مسار المؤسسة العسكرية المغربية، من خلال تعيين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، لصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقاً لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية. ويعكس هذا التعيين رؤية استراتيجية تروم إعداد ولي العهد لتحمل المسؤوليات السيادية والعسكرية مستقبلاً، في إطار استمرارية التقاليد الراسخة للدولة المغربية. ويحمل هذا القرار دلالات رمزية عميقة، خاصة وأن جلالة الملك محمد السادس سبق أن تولى المنصب نفسه سنة 1985 بتعيين من المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، ما يؤكد الحرص على تمكين ولي العهد من الاطلاع المبكر على دواليب المؤسسة العسكرية واكتساب الخبرة في تدبير القضايا الدفاعية والاستراتيجية للمملكة.
وفي إطار التحديث المتواصل، برزت خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة تعكس التوجه المغربي نحو تعزيز السيادة الدفاعية، من بينها تسلم مروحيات “أباتشي AH-64E” المتطورة، إلى جانب توسيع مجالات التعاون العسكري مع عدد من القوى الدولية، بما يعزز جاهزية القوات المسلحة وقدرتها على مواجهة مختلف التحديات الأمنية والاستراتيجية.
غير أن دور القوات المسلحة الملكية لم يقتصر على الجوانب العسكرية والدفاعية فحسب، بل امتد ليشمل أبعاداً إنسانية واجتماعية نبيلة، جعلت منها مؤسسة قريبة من المواطن في مختلف الظروف. ففي أوقات الكوارث الطبيعية والأزمات، كانت القوات المسلحة الملكية دائماً في الصفوف الأمامية، مجندة إمكانياتها البشرية واللوجستية لإنقاذ المتضررين وتقديم الدعم والمساعدة، في تجسيد حي لقيم التضامن والتفاني في خدمة الوطن.
كما راكمت المؤسسة العسكرية المغربية حضوراً دولياً وازناً من خلال مشاركتها في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، حيث بصمت القبعات الزرق المغربية على مسار مشرف في عدد من مناطق التوتر عبر العالم، ما جعل الجندي المغربي يحظى بصورة مشرفة قائمة على الانضباط والكفاءة والالتزام بالمبادئ الإنسانية.
ويبرز أيضاً البعد الاجتماعي والإنساني الذي توليه القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية لعناصر المؤسسة وأسرهم، من خلال برامج السكن والدعم الاجتماعي وتحسين ظروف العيش، وهو ما يعكس العناية الخاصة التي يحيط بها جلالة الملك أفراد القوات المسلحة بمختلف رتبهم وأسلاكهم.
وعلى المستوى الأكاديمي والاستراتيجي، يشكل إحداث المركز الملكي للدراسات وأبحاث الدفاع خطوة متقدمة نحو ترسيخ التفكير الاستراتيجي وتعزيز البحث العلمي في قضايا الأمن والدفاع، بما ينسجم مع التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم.
إن الاحتفاء بالذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو لحظة وطنية لتجديد الاعتراف بما قدمته هذه المؤسسة من تضحيات جسام في سبيل الوطن، واستحضار بطولات شهداء المغرب الذين رووا بدمائهم الزكية أرض الوطن دفاعاً عن وحدته وسيادته ومقدساته.
فالقوات المسلحة الملكية، بما راكمته من احترافية وكفاءة وانضباط، تظل نموذجاً للمؤسسة الوطنية المتشبثة بثوابتها، والمنفتحة في الآن ذاته على رهانات العصر وتحديات المستقبل، محافظة على عهد الوفاء للعرش العلوي المجيد، ومواصلة أداء رسالتها النبيلة في حماية أمن المغرب واستقراره وصيانة مجده ووحدته الترابية.

