يقين 24 – حمزة لخضر
عاد ملف منقّبي الأزبال بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما شرعت عدد من المقاطعات في تنفيذ عملية إحصاء أولية لهذه الفئة، في خطوة تندرج ضمن مشروع يروم تنظيم القطاع وتهيئة شروط إدماج العاملين فيه، بالتوازي مع توجه السلطات نحو تشديد مراقبة الفضاء العام وتفعيل مهام شرطة النظافة.
ويعيد هذا المستجد طرح واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية تعقيداً داخل العاصمة الاقتصادية، حيث يعيش مئات الأشخاص منذ سنوات على جمع وفرز النفايات القابلة للتدوير، في ظل أوضاع مهنية واجتماعية هشة، جعلت منهم جزءاً من المشهد اليومي للمدينة، دون أن يحظوا بأي إطار قانوني أو حماية اجتماعية تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة.
ويرى متابعون أن خطوة الإحصاء تمثل مدخلاً ضرورياً لفهم حجم الظاهرة وبناء قاعدة بيانات دقيقة حول العاملين في هذا المجال، غير أن نجاحها سيظل رهيناً بترجمتها إلى إجراءات عملية تضمن الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإدماج الحقيقي، عبر توفير بدائل مهنية وتنظيمية تستجيب لواقع هذه الفئة.
وفي المقابل، يتزامن هذا الورش مع توجه يروم تعزيز دور شرطة النظافة في محاربة الممارسات التي تضر بالمجال الحضري، من قبيل العبث بالحاويات والرمي العشوائي للنفايات، وهي إجراءات يعتبرها كثيرون ضرورية للحفاظ على النظام العام وتحسين صورة المدينة، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول كيفية تطبيقها في غياب حلول اجتماعية موازية.
ويؤكد عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الزجرية، لأن منقّبي الأزبال لم يختاروا هذا النشاط بإرادتهم، بل دفعهم إليه الفقر وغياب فرص الشغل، الأمر الذي يجعل أي تدخل لا يراعي البعد الاجتماعي معرضاً لإعادة إنتاج الأزمة بدل حلها.
كما يشدد فاعلون مدنيون على أن الاقتصاد المرتبط بتثمين النفايات يشكل اليوم أحد القطاعات الواعدة، وهو ما يفرض التفكير في إدماج هذه الفئة داخل منظومة الاقتصاد الدائري، من خلال إنشاء تعاونيات مهنية، وتأهيل العاملين، وتمكينهم من وسائل عمل تحفظ سلامتهم وحقوقهم، بدل استمرارهم في الاشتغال داخل ظروف تفتقر إلى أبسط شروط الحماية.
ويعتبر مراقبون أن المدينة تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لتسوية أحد الملفات الاجتماعية التي ظلت مؤجلة لسنوات، مؤكدين أن نجاح المبادرة لن يقاس بعدد الأشخاص الذين سيتم إحصاؤهم، وإنما بقدرة المؤسسات على توفير حلول دائمة تعيد الاعتبار لهذه الفئة، وتوفق بين حماية الفضاء العام وضمان الحق في العيش الكريم.
ويبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من تدبير الظاهرة بمنطق الظرفية إلى اعتماد سياسة عمومية متكاملة، تجعل من الإدماج المهني والاجتماعي مدخلاً أساسياً لمعالجة الملف، بما يحقق مصلحة المدينة ويحفظ في الآن نفسه كرامة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم، لسنوات طويلة، يعيشون على هامش المجتمع وبين أكوام النفايات.

