يقين 24 – حميد رزقي
تدخل الدائرة الانتخابية للفقيه بن صالح غمار الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل على وقع واحدة من أكثر المنافسات سخونة بجهة بني ملال-خنيفرة، إذ يتنافس ثمانية مرشحين على أربعة مقاعد برلمانية في مشهد تتداخل فيه اعتبارات الحصيلة المحلية، والانتماء الحزبي، والامتداد الانتخابي، بما يجعل نتيجة الاقتراع مفتوحة على مختلف الاحتمالات.
ولا تبدو هذه الانتخابات مجرد تنافس بين أسماء مرشحين، بقدر ما تشكل اختبارا جديدا لموازين القوى التي أفرزتها الانتخابات الجماعية والجهوية لسنة 2021، خاصة بعدما تغيرت الخريطة السياسية بالإقليم بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، مع صعود حزب التجمع الوطني للأحرار إلى واجهة المؤسسات المنتخبة.
ويدخل حزب التجمع الوطني للأحرار السباق من موقع يعتبره متتبعون الأكثر قوة على المستوى التنظيمي، من خلال ترشيح صالح حنين، رئيس جماعة أولاد عياد، في محاولة للحفاظ على مقعده البرلماني وتعزيز حضوره داخل المؤسسة التشريعية.
ولا يستند هذا الرهان إلى اسم المرشح فقط، بل إلى نفوذ مؤسساتي واسع راكمه الحزب منذ انتخابات 2021، إذ يترأس حاليا عشر جماعات ترابية من أصل ست عشرة جماعة بإقليم الفقيه بن صالح، وهي بني وكيل، وأولاد عياد، وأحد بوموسى، وسيدي حمادي، والخلفية، والبرادية، وبني شكدال، وسيدي عيسى، وأهل المربع، وأولاد بورحمون، فضلا عن رئاسته المجلس الإقليمي للفقيه بن صالح، بعدما تصدر انتخابات هذا المجلس بسبعة مقاعد وانتخب صلاح الدين كمال رئيسا له.
وتعزز هذا الحضور المؤسساتي خلال دجنبر 2024، بعدما فاز الحزب برئاسة أهم مجموعتي جماعات بالإقليم، إذ انتخب مصطفى العابدي، رئيس جماعة بني وكيل، رئيسا لمجموعة الجماعات الترابية “الإدماج” المكلفة بقطاع النقل بحصوله على 24 صوتا مقابل خمسة أصوات لمنافسه، كما انتخب حميد الخضرة، رئيس جماعة البرادية، رئيسا لمجموعة الجماعات الترابية “الوحدة” الخاصة بتدبير النفايات بحصوله على 18 صوتا مقابل صوتين، وهو ما كرس استمرار تفوق الحزب داخل المؤسسات المحلية.
في المقابل، يخوض حزب الاستقلال المنافسة بمرشحه رحال المكاوي، رئيس المجلس الجماعي لمدينة الفقيه بن صالح، مستندا إلى حضوره داخل عاصمة الإقليم ورصيده في تدبير الشأن المحلي، بينما يدفع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالشرقاوي الزنايدي، رئيس جماعة أولاد ازمام، في محاولة للحفاظ على موقع الحزب داخل الخريطة البرلمانية.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيراهن على أحمد فضلي، الذي يمتلك تجربة برلمانية سابقة، فيما يظل اسم عبد الهادي الشريكة، المرشح المحتمل للحركة الشعبية، من الأسماء القادرة على إعادة خلط أوراق المنافسة بالنظر إلى امتداده الانتخابي وتجربته السياسية بالإقليم.
ويدخل حزب العدالة والتنمية بدوره غمار الانتخابات بعبد العزيز الريحاني، معولا على تماسك قواعده التنظيمية، رغم أن السياق الانتخابي الحالي يختلف بشكل كبير عن المحطات السابقة.
كما تضم اللائحة كلا من المهدي المعطاوي عن جبهة القوى الديمقراطية، وعزيز توناني عن حزب الديمقراطيون الجدد، اللذين يسعيان إلى فرض حضور سياسي داخل دائرة اعتادت أن تحتكر مقاعدها الأحزاب الكبرى.
وتكشف مقارنة نتائج الانتخابات التشريعية لسنتي 2016 و2021 عن تحول واضح في موازين القوى بالإقليم. ففي انتخابات 2016 توزعت المقاعد الأربعة بين الأصالة والمعاصرة، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، والعدالة والتنمية، فيما غاب التجمع الوطني للأحرار عن التمثيلية البرلمانية. أما انتخابات 2021 فأفرزت خريطة جديدة بدخول التجمع الوطني للأحرار إلى البرلمان عبر كمال محفوظ، مقابل خروج العدالة والتنمية، مع احتفاظ الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة بمقاعدها.
ويبدو أن السؤال المركزي في استحقاقات 23 شتنبر لم يعد يتعلق بقدرة التجمع الوطني للأحرار على الفوز بمقعد برلماني، وإنما بمدى نجاحه في تحويل تفوقه المؤسساتي، المتمثل في رئاسة أغلبية الجماعات الترابية والمجلس الإقليمي ومجموعتي النقل والنفايات، إلى مكسب انتخابي أكبر داخل مجلس النواب. وفي المقابل، تراهن الأحزاب المنافسة على حضور مرشحيها المحليين، وعلى شبكاتها التقليدية، للحفاظ على توازنات المشهد السياسي ومنع الحزب من توسيع نفوذه البرلماني.
وفي النهاية، تبقى صناديق الاقتراع وحدها الكفيلة بحسم هوية النواب الأربعة، غير أن المؤشرات الأولية توحي بأن الفقيه بن صالح ستكون إحدى أكثر الدوائر الانتخابية تنافسا على مستوى جهة بني ملال-خنيفرة، حيث لن يكون الوزن التنظيمي للأحزاب وحده كافيا، بل ستلعب شخصية المرشح، وحصيلته المحلية، ونسبة المشاركة، وطبيعة التحالفات الانتخابية، دورا حاسما في رسم الخريطة البرلمانية المقبلة.

