يقين 24
حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من هشاشة منظومة المخزونات الاحتياطية للمواد الأساسية بالمغرب، معتبراً أن النموذج الحالي لم يعد قادراً على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة، في ظل تنامي التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد والتغيرات المناخية.
ودعا المجلس، في تقريره السنوي لعام 2025، إلى إعادة هيكلة منظومة التخزين عبر إحداث مخزونات عمومية إلى جانب المخزونات الخاصة، وتعزيز آليات المراقبة والشفافية، خصوصاً بالنسبة إلى المحروقات والقمح اللين، باعتبارهما من المواد المرتبطة مباشرة بالأمنين الطاقي والغذائي للمملكة.
أكد التقرير أن المنتجات البترولية لا تزال تحتل مكانة محورية ضمن المنظومة الطاقية الوطنية، إذ تمثل 51 في المائة من المزيج الطاقي سنة 2025، بينما بلغ الاستهلاك الوطني حوالي 12.8 مليون طن، يستحوذ الغازوال على 73 في المائة منها.
ويرتقب، وفق المعطيات التي أوردها المجلس، أن يواصل استهلاك المنتجات النفطية منحاه التصاعدي، بزيادة متوقعة تناهز 16 في المائة في أفق سنة 2030.
وسجل المجلس أن المغرب أصبح، منذ توقف نشاط مصفاة “سامير” سنة 2015، يعتمد بشكل حصري على استيراد المنتجات البترولية المكررة، وهو ما يزيد من تعرض السوق الوطنية لتقلبات الأسعار والاضطرابات التي قد تطال الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد.
كما نبه التقرير إلى محدودية المعطيات العمومية المتعلقة بمستويات المخزونات الاحتياطية، مشيراً إلى أن هذه البيانات لا يتم نشرها بشكل منتظم، الأمر الذي يحد من إمكانية تتبع تطور المخزون ويوسع هامش عدم اليقين لدى الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين.
وأبرز المجلس أن مؤشرات رسمية سابقة أظهرت بقاء مستويات المخزون دون السعة القانونية المحددة في ستين يوماً.
انتقد التقرير قدم الإطار القانوني المؤطر للمخزونات الاحتياطية للمحروقات، والذي يعود في أساسه إلى سنة 1971، معتبراً أن التعديلات التي أدخلت عليه لم تكن كافية لمواكبة التحولات التي عرفها القطاع.
كما سجل عدم وجود تمييز واضح بين المخزونات الاحتياطية الإلزامية التي يحتفظ بها الفاعلون الخواص وبين المخزونات التجارية المخصصة لتلبية حاجياتهم الاعتيادية.
وتوقف المجلس كذلك عند محدودية العقوبات القانونية، التي لم تخضع لتحيين جوهري منذ سنة 1973، إلى جانب ضعف آليات المراقبة، مشيراً إلى أن الأعوان المكلفين بها لا يتوفرون على الصفة القانونية التي تمكنهم من تحرير محاضر المخالفات وفق الضوابط المعمول بها.
ورغم ارتفاع قدرات التخزين خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، بنسبة 36 في المائة بالنسبة للمنتجات البترولية السائلة و43 في المائة بالنسبة لغازات البترول المسيلة، فإن المجلس سجل استمرار تمركز جزء كبير من البنيات التخزينية في مناطق محددة.
وأوضح التقرير أن أكثر من 70 في المائة من القدرة التخزينية لغاز البوتان تتركز في الكهوف الملحية بالمحمدية، في حين تتمركز حوالي 80 في المائة من قدرات تخزين المنتجات البترولية السائلة في موانئ طنجة والمحمدية والجرف الأصفر.
وسجل المجلس، في السياق ذاته، وجود اختناقات في الموانئ وفترات انتظار متكررة للسفن، بفعل الاكتظاظ والعوامل المناخية، فضلاً عن صعوبات مرتبطة بتوفير العقار المخصص للتخزين وبطء بعض مساطر منح التراخيص.
في الجانب الغذائي، اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن القمح اللين يظل من أكثر المواد الاستراتيجية ارتباطاً بالأمن الغذائي، في ظل ارتفاع استهلاكه بالمغرب.
وأشار التقرير إلى أن متوسط استهلاك الفرد المغربي من القمح اللين يبلغ حوالي 180 كيلوغراماً سنوياً، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، بلغ معدل تبعية المغرب لاستيراد الحبوب نحو 70 في المائة خلال الفترة بين 2019 و2023، بينما اقتربت هذه النسبة من 74 في المائة خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن المخزون الاحتياطي يغطي ما بين ثلاثة وأربعة أشهر من الاستهلاك، يرى المجلس أن هذا المستوى يستدعي مزيداً من اليقظة، خصوصاً في ظل حالة عدم اليقين التي تطبع الأسواق الدولية والتغيرات المناخية المتزايدة.
كما سجل التقرير أن الإطار القانوني الخاص بالمخزونات الاحتياطية للحبوب لا يزال غير مكتمل، مشيراً إلى عدم صدور القرار المشترك المتعلق بتكوين هذه المخزونات وكيفيات إنشائها وتمويلها، رغم التنصيص عليه منذ سنة 1996.
انتقد المجلس اعتماد منظومة التخزين الحالية بدرجة كبيرة على التصريح الذاتي للفاعلين الخواص، معتبراً أن هذه الآلية لا تتيح تتبعاً دقيقاً لمستويات المخزون الفعلية.
وأضاف التقرير أن غالبية مخزونات القمح تظل في حيازة القطاع الخاص، رغم الطابع الاستراتيجي لهذه المادة بالنسبة للأمن الغذائي الوطني.
وسجل التقرير أن سياسة التخزين الحالية تظل مرتبطة بدرجة كبيرة بتقلبات الأسواق الدولية، إذ يتركز تدخل السلطات غالباً خلال فترات ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق.
واعتبر المجلس أن هذا الأسلوب يغلب عليه الطابع التفاعلي، ما يحد من قدرة منظومة التخزين على مواجهة التقلبات الدورية والاستعداد المسبق للأزمات.
كما أشار إلى استمرار الاعتماد على المخازن التقليدية، التي تمثل 59 في المائة من إجمالي القدرات التخزينية، مقابل 41 في المائة للمستودعات الحديثة، مع استمرار تمركز منشآت التفريغ والتخزين في الموانئ، ولا سيما ميناء الدار البيضاء.
وفي توصياته، دعا المجلس إلى مراجعة شاملة للإطار القانوني المنظم للمخزونات الاحتياطية للمحروقات، مع تحديد أهداف المخزون الاستراتيجي والاحتياطي وشروط تعبئته بشكل دقيق.
واقترح اعتماد نموذج هجين يجمع بين قدرات تخزين عمومية مباشرة توفرها الدولة أو وكالة متخصصة، ومخزونات إلزامية لدى الفاعلين الخواص، مع وضع تمييز قانوني وإجرائي واضح بين المخزونات الاستراتيجية والمخزونات التجارية.
كما أوصى بتحديث آليات المراقبة ورقمنتها، وإحداث هيئة فعلية للمراقبين المحلفين، بما يعزز قدرة الدولة على تتبع المخزونات والتأكد من احترام الالتزامات القانونية.
وبالنسبة إلى الحبوب، دعا المجلس إلى استكمال الإطار التنظيمي، والانتقال من نظام التصريح الذاتي إلى منظومة تقوم على المراقبة الفعلية والتفتيش المنتظم، إلى جانب إنشاء بنيات تخزين تابعة للدولة تضمن حصة مهمة من المخزون.

