بقلم: محسن خيير
تكاد هذه العبارة تصلني اليوم بصوت واحد، وإن تعددت الأسماء: وهبي، أخنوش، والطالبي العلمي…
“السيد النقيب… اضرب راسك مع الحيط!”
زهاء مائة يوم والمحامون يخوضون إضرابا عن العمل. مائة يوم والمحاكم تتعثر، ومصالح المتقاضين تتراكم، والملفات تنتظر، ومواطنون يدفعون ثمن مواجهة لم يختاروها. وفي الجهة المقابلة، محامون وجدوا أنفسهم أمام واقع مهني ومالي قاس، ومكاتب تكافح من أجل الاستمرار، والتزامات لا تعرف معنى الإضراب ولا تنتظر نهاية الأزمة.
مائة يوم تقريبا كانت كافية، في أي منطق سياسي سليم، لإطلاق جرس إنذار حقيقي.
فعندما يصل أصحاب مهنة بأكملها إلى هذا المستوى من الاحتجاج ضد قانون يفترض أنه جاء لتنظيم مهنتهم، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يتضمن مشروع القانون؟ بل أصبح أيضا: لمن يشرع هذا القانون إذا كان المعنيون به في مواجهة مفتوحة معه؟
لكن يبدو أن للحكومة وأغلبيتها قراءة أخرى.
قال وهبي كلمته، وقالت الأغلبية العددية كلمتها معه. وكأن الرسالة السياسية كانت واضحة: ما دمنا نملك الأصوات الكافية لتمرير النص، فما حاجتنا إلى كل هذا الصداع؟
وهكذا مر المشروع في البرلمان.
مر وكأن مائة يوم من الإضراب مجرد دفوع شكلية لا تستحق حتى ضمها إلى الموضوع.
مر رغم الاحتجاجات والبيانات والوقفات وتعطل مصالح المواطنين، وكأن الحوار الاجتماعي والتشاور مع أصحاب المهنة ترف سياسي يمكن الاستغناء عنه متى توفرت الأغلبية العددية.
ثم جاءت محطة المحكمة الدستورية.
وهنا دخل رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، على خط مسار الإحالة، في إجراءات أثارت بدورها نقاشا وإشكالات بشأن سلامة المسطرة المتبعة.
وحين أعادت المحكمة الدستورية الإحالة إلى البرلمان من أجل تصحيحها، كان من الممكن أن تكون تلك اللحظة فرصة لإعادة الأمور إلى سكتها الطبيعية، وسلوك المسار الدستوري بأكبر قدر من الوضوح، بعيدا عن التأويلات والشكوك.
لكن الطريق الأقصر، على ما يبدو، كان أكثر إغراء.
واليوم، يتحول المشروع إلى قانون بعد نشره في الجريدة الرسمية.
وهنا لا يمكن اختزال القضية في انتصار الحكومة أو هزيمة المحامين، لأن الخاسر الأكبر في نهاية المطاف هو الثقة في الحوار المؤسساتي نفسه.
فأي معنى للتشاركية عندما تحتج مهنة كاملة لما يقارب مائة يوم ثم يمضي القانون؟
وأي معنى للإنصات عندما تتوقف المحاكم وتتضرر مصالح المتقاضين ويستمر الاحتقان، بينما تواصل المؤسسات طريقها وكأن شيئا لم يقع؟
وأي رسالة نبعث بها إلى المواطن عندما يصبح امتلاك الأغلبية العددية كافيا لإنهاء النقاش، بدل أن يكون مدخلا لتحمل مسؤولية سياسية أكبر؟
بعد كل هذه الأيام من الإضراب…
بعد الوقفات والبيانات…
بعد النقاش القانوني والدستوري…
بعد الخسائر التي تكبدها المحامون…
وبعد المصالح التي تعطلت للمواطنين…
يمكن اختصار الرسالة التي فهمها كثير من المحامين من طريقة تدبير هذا الملف في جملة شعبية واحدة، لا تحتاج إلى مذكرة تقديمية ولا إلى قراءة أولى أو ثانية:
“هذا هو القانون… واللي ما عجبوش الحال، يضرب راسو مع الحيط.”
أما الحوار؟
أما التشاركية؟
أما الإنصات؟
أما البحث عن حل يحفظ هيبة الدولة وكرامة المحامي ومصلحة المتقاضي في الوقت نفسه؟
فتلك، على ما يبدو، مواد سقطت سهوا من النص، أو ربما أصبحت مجرد مفردات جميلة نستحضرها في الخطب، ثم ننساها عندما تبدأ عملية التصويت.
المشكلة اليوم أكبر من قانون مهنة.
إنها تتعلق بفكرة السياسة نفسها: هل الديمقراطية مجرد أغلبية تملك ما يكفي من الأصوات لتمرير ما تريد، أم إنها أيضا إنصات وتفاوض وتوافق واحترام للأصوات المهنية والاجتماعية، حتى عندما تكون مزعجة؟
فالاختيار الديمقراطي لا يقاس فقط بعدد الأيدي التي ترتفع داخل البرلمان، بل أيضا بقدرة المؤسسات على الإنصات لمن يرفعون أصواتهم خارجه.
وإذا كانت قرابة مائة يوم من الإضراب غير كافية حتى لإنتاج تسوية تحفظ ماء وجه الجميع، فلا غرابة أن يشعر المحامي اليوم بأن كل ما قيل له، بعد كل هذا الصمود، هو:
السيد النقيب… اضرب راسك مع الحيط!

