بقلم: لخضر حمزة – يقين 24
ماذا لو كان أكبر خطر على حق الموظف ليس شخصاً يسرقه منه، وإنما ورقة تمر من مكتب إلى مكتب، وتحمل في نهايتها توقيعاً وخاتماً؟ هنا تبدأ المفارقة: قد يجد الموظف نفسه أمام قرار يمس مصلحته، وحين يسأل عن السبب يكون الجواب جاهزاً: «هذه هي المسطرة… وهذا مجرد إجراء إداري». لكن هل تكفي هذه العبارة لإسكات صاحب الحق؟ وهل يصبح القرار صحيحاً فقط لأنه صدر من مكتب رسمي وحمل ختماً إدارياً؟ برأيي، هنا بالضبط يجب أن يبدأ النقاش حول حقوق الموظف، وحول الحدود الفاصلة بين احترام المساطر وحماية الحقوق.
الإدارة وُجدت لتنظيم العمل وحماية حقوق الموظفين، وليس لتحويل المساطر إلى متاهة تجعل الموظف عاجزاً عن الوصول إلى حقه. والقانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية جاء لتعزيز الشفافية والثقة وتسهيل العلاقة مع الإدارة.
كما أن القانون رقم 03.01 يكرس، في الحالات التي يشملها، مبدأ تعليل القرارات الإدارية وبيان أسبابها القانونية والواقعية. لذلك، فمن حق الموظف أن يسأل عن الأساس القانوني لأي قرار يمس مصلحته، وأن يطلب توضيحاً واضحاً للمسطرة المعتمدة.
هذا السؤال ليس تحدياً للمسؤول ولا إساءة لأي موظف، بل هو تعبير عن وعي قانوني يجب أن يكون حاضراً داخل الإدارة. فالموظف الواعي لا يبحث عن الواسطة، ولا يدخل في صراع مع المسؤولين، وإنما يستعمل الوثائق والتظلمات والطرق القانونية المتاحة له.
وفي المقابل، فإن احترام الموظف للقانون يجب أن يقابله احترام الإدارة للقانون والمساطر والحقوق. فلا يمكن أن نطالب الموظف باحترام الإجراءات، ثم تتحول الإجراءات نفسها إلى حاجز أمام حقه.
الختم لا يحول الخطأ إلى صواب، والتوقيع لا يجعل القرار فوق الرقابة، والمنصب لا يجعل صاحبه فوق القانون. المسؤول القوي ليس من يخيف الموظف بسلطته، بل من يستطيع أن يشرح قراره بالحجة والقانون ويتحمل مسؤوليته.
ومن هنا تبدأ التوعية: احتفظ بوثائقك، وثّق طلباتك، اسأل عن المسطرة، واعرف الآجال وطرق التظلم المتاحة لك. ولا تجعل الخوف من الإدارة يدفعك إلى التخلي عن حقك، كما لا تجعل الإحساس بالظلم يدفعك إلى الاتهام دون دليل.
فليس كل رفض ظلماً، وليس كل قرار إداري تعسفاً، لكن كذلك ليس كل قرار يحمل ختماً وتوقيعاً محصناً من المراجعة. القانون هو الفيصل، والوثيقة هي الدليل، والمؤسسات هي الطريق الصحيح للدفاع عن حقوق الموظفين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول عبارة «إجراء إداري» إلى ستار يخفي وراءه قراراً لا يجد الموظف تفسيراً واضحاً. نحن بحاجة إلى إدارة تحترم الموظف، وموظف يعرف حقوقه وواجباته، ومسؤول يمارس مهامه في إطار القانون.
وبحاجة أيضاً إلى مسؤول يعرف أن السلطة مسؤولية، وأن الشفافية ليست ضعفاً، بل أساس لبناء الثقة داخل المؤسسة. قد تتغير الوجوه والمناصب والتوقيعات، لكن القاعدة التي يجب ألا تتغير هي أن القانون فوق الجميع.
وكما يؤكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله في توجيهاته السامية، فإن المسؤولية داخل المؤسسات العمومية ليست امتيازاً، وإنما أمانة وخدمة للمواطن. ومن هنا، فإن حماية حقوق الموظفين، واحترام القانون، والاحتكام إلى المساطر الواضحة، ليست مطالب ثانوية، بل أساس لبناء إدارة قوية وعادلة وموثوقة.
وفي النهاية، تبقى الإدارة الحقيقية هي التي تجعل القانون جسراً للوصول إلى الحقوق، لا جداراً يحول دونها. فالموظف ليس مجرد رقم داخل ملف، والمسؤول ليس مجرد توقيع أسفل وثيقة، وإنما كلاهما جزء من مؤسسة يفترض أن تقوم على العدل والشفافية والمسؤولية. قد يُغلق الملف بختم، وقد تنتهي المعاملة بتوقيع، لكن السؤال الأهم يبقى دائماً: هل حُفظ الحق؟ لأن الختم قد يوثق القرار، والتوقيع قد يمنحه شكله الرسمي، لكن وحده القانون قادر على منحه الشرعية. القانون فوق الجميع، والحق لا يُدفن بختم، والعدل لا يحتاج إلى واسطة حتى ينتصر.

