أمين فروان – يقين 24
لم تكن ملاعب القرب التي انتشرت في عدد من المدن والمناطق المغربية مجرد منشآت رياضية إضافية، بل جاءت لتمنح أطفال الأحياء والشباب فرصة ممارسة الرياضة بالقرب من مقرات سكنهم، وتوفر للجمعيات المحلية فضاءات لاحتضان المواهب وتنظيم الأنشطة والمسابقات.
غير أن طريقة تدبير عدد من هذه الملاعب تثير اليوم أسئلة متزايدة حول مدى احترام الغاية التي أنشئت من أجلها. ففضاءات يفترض أن تكون مفتوحة أمام أبناء الأحياء بأسعار في المتناول، أو بالمجان في بعض الحالات، أصبحت في بعض المناطق مرتبطة بمصاريف استغلال تثقل كاهل الجمعيات الرياضية، وتحد من قدرتها على تنظيم التداريب والأنشطة لفائدة الأطفال والشباب.
وتجد جمعيات رياضية محلية نفسها أمام معادلة صعبة: موارد محدودة من جهة، وتكاليف مرتبطة باستعمال الملاعب من جهة أخرى. ومع ارتفاع هذه التكاليف، تضطر بعض الجمعيات إلى تقليص عدد الحصص التدريبية، أو رفع واجبات الانخراط، أو التخلي عن بعض الأنشطة التي كانت تستهدف أطفال الأسر محدودة الدخل.
المشكل لا يرتبط فقط بالجمعيات، وإنما يمتد إلى الفئات التي صممت هذه الملاعب أساساً لخدمتها. فالطفل الذي لا تستطيع أسرته تحمل تكاليف ممارسة الرياضة قد يجد نفسه خارج الملعب، رغم أن هذه المنشآت أقيمت داخل الأحياء وقرب التجمعات السكنية حتى تكون الرياضة متاحة لأكبر عدد ممكن من المواطنين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توضيح قواعد الاستفادة من ملاعب القرب، وكيفية تحديد ساعات الاستعمال، والجهات المكلفة بالتدبير، والمعايير المعتمدة في توزيع الحصص بين الجمعيات والممارسين الأفراد. فغياب الوضوح في هذه الجوانب يفتح المجال أمام ممارسات تختلف من منطقة إلى أخرى، ويجعل المستفيدين أمام واقع غير متساوٍ في الولوج إلى المرفق الرياضي العمومي.
الجمعيات الجادة، خصوصاً تلك التي تشتغل مع الأطفال والناشئين، لا تبحث عن امتيازات خاصة، بقدر ما تحتاج إلى شروط تمكنها من أداء دورها. فالجمعية التي تؤطر عشرات الأطفال، وتنظم التداريب والبطولات، وتبحث عن المواهب داخل الأحياء، تحتاج إلى فضاء منتظم ومتاح بتكلفة معقولة، حتى لا يتحول الجانب المالي إلى عائق أمام استمرار نشاطها.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالأحياء التي تعاني أصلاً من نقص في الفضاءات المخصصة للشباب. فملعب القرب يمكن أن يكون مكاناً لاكتشاف لاعب صغير، أو لتكوين فريق يمثل الحي، أو لمنح الأطفال ساعات من النشاط بعيداً عن الشارع. وكلما صارت كلفة الولوج مرتفعة، تقلصت قدرة هذه المنشآت على أداء هذا الدور.
كما أن ملاعب القرب يمكن أن تشكل قاعدة حقيقية للرياضة المدرسية والجمعياتية، خصوصاً في كرة القدم وكرة السلة والرياضات الجماعية الأخرى. والاستفادة المنظمة منها تسمح بإقامة دوريات محلية، واكتشاف عناصر موهوبة، وربط الأطفال والشباب بالأندية والجمعيات التي تتوفر على أطر قادرة على التأطير.
لهذا، فإن إعادة النظر في طريقة تدبير هذه المنشآت باتت مطلباً مطروحاً أمام الجماعات والقطاعات والمؤسسات المعنية بالرياضة والشباب. والمطلوب ليس إلغاء رسوم الاستغلال في كل الحالات، وإنما وضع نظام واضح يميز بين الاستعمال التجاري والاستعمال الجمعوي، ويمنح الأولوية للأنشطة الموجهة إلى الأطفال والشباب، خصوصاً المنحدرين من الأسر التي لا تملك القدرة على تحمل مصاريف مرتفعة.
ومن بين الحلول الممكنة تخصيص حصص زمنية مجانية أو مدعمة للجمعيات التي تستوفي شروطاً محددة، مع نشر جداول الاستعمال للعموم، وتحديد التعريفات بشكل رسمي، وإخضاع عملية الحجز والمراقبة لقواعد معلنة يمكن للجميع الاطلاع عليها.
كما أن إشراك الجمعيات الرياضية والفاعلين المحليين في تدبير هذه المنشآت من شأنه أن يساعد على معالجة عدد من الاختلالات، لأن الجمعيات هي الأقرب إلى معرفة حاجيات الأطفال والممارسين داخل الأحياء، وهي التي تلامس بشكل يومي الصعوبات المرتبطة بالتدريب والتنظيم والتأطير.
ملاعب القرب في النهاية ملك للفضاء العام، وقيمتها لا تقاس فقط بعدد ساعات الحجز أو المداخيل المحصلة من استغلالها، وإنما بعدد الأطفال والشباب الذين استفادوا منها، وعدد المواهب التي اكتشفت داخلها، والأنشطة التي احتضنتها، والفرق التي خرجت منها.
والحفاظ على هذه الوظيفة الاجتماعية يتطلب حكامة واضحة، ومراقبة فعلية، ومعايير موحدة للاستفادة، حتى تظل ملاعب القرب فضاءات مفتوحة أمام أبناء الأحياء، لا منشآت يصعب على الفئات التي تحتاج إليها أكثر أن تجد مكاناً داخلها.

