
أخاطبكم اليوم بضمير يرى ويشعر، يحمل صوت آلاف الصامتين في أعماق الأرض، وباسم من طمس صوتهم تحت غبار المناجم وأسكتت أنفاسهم بأجهزة الأوكسجين بدل أن تحمى بحياة كريمة. لا جدال في أن المكتب الشريف للفوسفاط مفخرة وطنية، ومن أعمدة الاقتصاد المغربي وسفير المغرب في الأسواق العالمية، لكن حين يصبح الثمن الذي ندفعه أرواحا في عمر الزهور تصارع السرطان والتشمع الرئوي، يتحول هذا النجاح إلى سؤال أخلاقي قبل أن يكون إنجازا اقتصاديا. لقد أصبح معروفا أن عددا مقلقا من العاملين والمتقاعدين أصيبوا بأنواع مختلفة من السرطان، خاصة في الرئة والدم، إلى جانب انتشار التشمع الرئوي الذي يحرم الإنسان من التنفس والحركة والحياة ويجعله سجين قارورة أكسجين لا تفارقه حتى النهاية.
أكثر ما يؤلم أن السؤال القاتل الذي يطرحه الأطباء على المصابين صار “واش خدام فالفوسفاط؟ بالنسبة للمتقاعدين يطرح السؤال واش كنت خدام في الفوسفاط ؟ سؤال أصبح شهادة وفاة غير رسمية لكل من اشتغل في المناجم، حيث صار مجرد العمل في المكتب الشريف للفوسفاط إشارة طبية خطيرة لا تحتاج إلى تحاليل أو أشعة.
نعلم أن المكتب يوفر تغطية صحية محترمة لموظفيه، ولا ننكر ذلك، لكن ماذا تنفع التغطية الصحية إذا لم تمنع الإصابة؟ ماذا يفيد العلاج المتأخر عندما يكون السرطان و التشمع قد دمروا الأجساد والأسر؟ العامل الذي يواجه هذه الأمراض لا يريد صكوك اعتذار أو ميداليات شرف بعد الموت، بل كان يأمل فقط في كمامة وقائية فعالة، في مراقبة طبية دورية، في جهاز قياس جودة الهواء، وفي توعية صادقة لا تعطى فقط أثناء تصوير الكاميرات. هذه ليست شكوى فردية، بل مأساة أسر فقدت آباءها وإخوتها وأطفال تيتموا قبل أوانهم وأمهات دفن أبناءهن بعيون ذابلة وقلوب منكسرة.
المشكلة لم تعد صحية فقط بل أصبحت أخلاقية ووطنية، فمن حقنا أن نسأل أين شروط السلامة المهنية؟ أين الوقاية من الغبار الصناعي؟ أين أدوات الحماية الفعالة وليست الرمزية؟ أين التكوين الوقائي الحقيقي؟ أين أجهزة قياس جودة الهواء تحت الأرض؟ أين الإحصائيات الرسمية حول عدد المصابين؟ وأين الجرأة في الاعتراف بالمشكلة؟
“العاملون بالمناجم لا يبحثون عن الفتن أو زرع الخلافات، بل يأملون فقط ليرفع صوت الحق ويستعيدون كرامة إنسانية غابت طويلا
بل يبحثون عن عدالة وكرامة وعن مغرب لا يكافئ الوفاء بالعقاقير ولا يتوج الإنتاج بالسرطان.
أنتم على رأس مؤسسة وطنية كبرى، تملكون السلطة والقرار والتأثير، وأنتم وحدكم من يمكنه أن يقول: كفى! لن يموت عامل آخر وهو يؤدي واجبه، ولن يطرح على أحد بعد اليوم سؤال: واش خدام فالفوسفاط؟ افتحوا تحقيقا نزيها، اعترفوا بالمشكلة، انشروا الإحصائيات، وأطلقوا ثورة وقائية حقيقية لا حملة إعلامية عابرة. الأرباح يمكن أن تتأخر، لكن الأرواح إذا رحلت لا تعود، من أجل من ماتوا ومن أجل من ينتظر الدور، افتحوا أعينكم وقلوبكم وملفا طال إغلاقه.
إن هذه الصرخة ليست مجرد كلمات، بل هي نداء إنساني يحمل دموع اليتامى ووجع الأمهات اللائي فقدن أبنائهن في عز شبابهم. ليست القضية فقط خسارة عامل أو اثنين، بل هي فقدان مستقبل أسر بأكملها، وهي وصمة لا يمكن أن تمحى في تاريخ وطن نفخر به. إن حياة كل عامل وعاملة في المكتب الشريف للفوسفاط ليست مجرد رقم في سجلات الإنتاج، بل هي روح إنسانية تستحق الحماية والاحترام. إن الوقت قد حان ليتحرك الضمير، وتتحمل المسؤولية، فلا أرباح تعادل حياة بشر، ولا نجاح يبرر التضحية بالإنسان. أليس من حق العاملين أن يطالبوا بحياة كريمة، بأمان صحي، وبوقف نزيف الأرواح التي تجرفها رياح الغبار السام؟ أمام هذا الواقع المؤلم، نوجه نداءا صارخا لمن أوكلت لهم مهمة التسيير على أكبر شركة وطنية و مفخرة مغربية، أن تتخذوا خطوات جريئة وحاسمة، لأن حياة عامل اليوم هي مستقبل المغرب الغد