يقين 24 – محمد الحدوشي
دخلت مهنة التوثيق العدلي بالمغرب مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما جدّد عدول المملكة حضورهم الميداني، يوم الاثنين 13 أبريل 2026، في وقفة احتجاجية حاشدة أمام مقر البرلمان بالعاصمة الرباط، تزامنت مع انطلاق إضراب وطني مفتوح وشامل عن تقديم كافة الخدمات المهنية، احتجاجًا على مشروع القانون رقم 16.22 المنظم للمهنة.

هذا التصعيد لم يأتِ بشكل معزول، بل شكّل امتدادًا لمسار نضالي متدرج انطلق منذ فبراير الماضي، حيث خاض العدول سلسلة من الإضرابات، بدأت بإضراب إنذاري يومي 18 و19 فبراير، تلاه توقف شامل من 2 إلى 10 مارس، ثم محطة ثالثة من 18 مارس إلى 5 أبريل 2026، توّجت بوقفة احتجاجية مركزية أمام البرلمان يوم 2 أبريل، قبل أن تبلغ ذروتها بإعلان الإضراب المفتوح.

وعرفت وقفة الرباط 13 ابريل الحالي مشاركة واسعة لعدول من مختلف محاكم المملكة، في مشهد عكس وحدة الجسم المهني وارتفاع منسوب التعبئة، حيث سجّل حضور قوي ووازن لعدول الناظور الذين لبّوا نداء الهيئة، وتنقلوا بكثافة إلى العاصمة للمشاركة في هذه المحطة النضالية، مؤكدين انخراطهم الكامل في الدفاع عن قضايا المهنة، في صورة تعكس حيوية هيئة عدول الناظور ودورها الفاعل داخل الجسم المهني الوطني.

ورفع المحتجون شعارات قوية تندد بما وصفوه بـ”الحيف التشريعي” و”الإقصاء من صناعة القرار القانوني”، مطالبين بسحب أو تجميد مشروع القانون وإعادة صياغته وفق مقاربة تشاركية حقيقية.

وفي تصريح له بالمناسبة، أشاد السيد نائب رئيس الهيئة الوطنية للعدول، الأستاذ حسين الداندي، بالنجاح الذي عرفته الوقفة الاحتجاجية، مؤكداً أنها جسّدت حجم التذمر داخل صفوف العدول من عدم استجابة وزارة العدل لمقترحات الهيئة، والتي كانت قد حظيت بدعم من طرف الفرق البرلمانية، سواء من الأغلبية أو المعارضة بمجلس النواب.

وأضاف أن المهنيين يعلّقون آمالاً على مجلس المستشارين للتفاعل الإيجابي مع هذه المطالب، بما يسهم في بلورة قانون منصف ومنسجم مع توصيات إصلاح منظومة العدالة، ومكرّس لمقتضيات الدستور، وقادر على تجاوز النقائص والثغرات التي تعتري القانون الحالي رقم 16.03.

كما حذّر من أن المصادقة على مشروع القانون بالغرفة الثانية دون الأخذ بمطالب الهيئة، سيدفع العدول إلى تصعيد إضافي، من خلال التواصل مع مختلف الفرق البرلمانية للطعن في دستورية المشروع، بالنظر إلى ما وصفه بالمقتضيات التمييزية التي يتضمنها.
ويتمحور جوهر الخلاف حول مشروع القانون رقم 16.22، الذي تسعى الحكومة من خلاله إلى إعادة تنظيم مهنة العدول وتحيينها في إطار إصلاح منظومة العدالة، بعد قرابة عقدين من العمل بالقانون رقم 16.03. ففي الوقت الذي يؤكد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن المشروع أُعد وفق مقاربة تشاركية موسعة، وصادق عليه مجلس النواب بأغلبية 82 نائبًا مقابل 36 معارضًا، ترفض الهيئة الوطنية للعدول هذه الرواية، معتبرة أن ملاحظاتها الجوهرية لم تؤخذ بعين الاعتبار.

وفي هذا السياق، شدد العدول على أنهم تقدموا بعدد كبير من التعديلات، نوقشت داخل لجنة العدل والتشريع من طرف فرق الأغلبية والمعارضة، غير أن الصيغة النهائية لم تستجب إلا لتعديلات تقنية محدودة، وهو ما عمّق فجوة الثقة بين المهنيين والسلطة التنفيذية.

ولا يقف الخلاف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى مضامين دقيقة تمس جوهر المهنة، من قبيل مسألة التلقي الفردي للشهادات، وإحداث “صندوق الإيداع” كآلية لضمان الأمن التعاقدي، ومراجعة نظام شهادة اللفيف وإمكانية إدماج النساء ضمنها، إضافة إلى حذف ديباجة المشروع التي يعتبرها العدول مرجعية قانونية وفلسفية مؤطرة للمهنة.
كما أثار المشروع انتقادات عملية، من بينها تحديد سقف الشركاء في أربعة عدول داخل المكتب الواحد، في وقت يعرف فيه الواقع المهني وجود مكاتب تفوق هذا العدد، ما يطرح إشكالات انتقالية وقانونية تستدعي المعالجة.

ويُعزز حجم الجدل الذي أثاره المشروع، تسجيل تقديم ما مجموعه 336 تعديلاً خلال مناقشته البرلمانية، وهو رقم يعكس عمق الخلاف واتساع دائرة التحفظات على النص.
وبالتوازي مع ذلك، دخل العدول في توقف شامل عن تقديم كافة خدماتهم، بما يشمل توثيق عقود الزواج والمعاملات العقارية، وهو ما ينذر بانعكاسات مباشرة على مصالح المواطنين، ويحوّل هذا النزاع من خلاف مهني إلى قضية ذات بعد اجتماعي واقتصادي.

وفي هذا الإطار، حمّلت الهيئة الوطنية للعدول الحكومة المسؤولية الكاملة عن مآلات هذا التصعيد، وما قد يترتب عنه من تعطيل لمصالح المرتفقين، وضياع حقوقهم المرتبطة بالمعاملات اليومية، مؤكدة في المقابل استمرار التعبئة والاستعداد لخوض أشكال نضالية أكثر تصعيدًا، من بينها الاعتصام أو الاستقالة الجماعية.
وتكشف هذه الأزمة عن وجود روايتين متقابلتين: الأولى رسمية تؤكد مشروعية الإصلاح واعتماد المقاربة التشاركية، والثانية مهنية ترى أن انسداد قنوات الحوار هو الذي دفع العدول إلى هذا الخيار التصعيدي غير المسبوق.

وفي خضم هذا التوتر، تتجه الأنظار إلى مصير المشروع داخل مجلس المستشارين، حيث لا يزال هامش التعديل قائمًا، ما قد يفتح الباب أمام تسوية ممكنة، خاصة في ظل ضغط الشارع المهني وتزايد تداعيات الإضراب.
في المحصلة، لا تعكس أزمة العدول مجرد خلاف تقني حول نص قانوني، بل تكشف عن إشكالية بنيوية في تدبير الإصلاحات المهنية بالمغرب، حيث يُعلن عن مقاربات تشاركية، لكن دون بلوغ توافق فعلي، لتبقى النتيجة صراعًا مفتوحًا تكون كلفته المباشرة على المواطن، الذي يجد نفسه رهين تجاذب بين منطق الإصلاح ومنطق الدفاع عن المكتسبات المهنية، في وقت يواصل فيه عدول الناظور حضورهم القوي ضمن هذه المعركة المهنية الوطنية

