يقين 24 – محمد الحدوشي
في لحظة ذات دلالات عميقة تختزل مكانة العلم والعلماء في البناء المؤسسي للمملكة، استقبل محمد السادس، أمير المؤمنين، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026 بالقصر الملكي بالرباط، الأستاذ الدكتور اليزيد الراضي، وعيّنه أمينًا عامًا لـ المجلس العلمي الأعلى، في خطوة تعكس الثقة المولوية في نموذج العالم الذي تَشَكَّل في أحضان الأصالة، وتدرّج في مدارج العلم، وجمع بين الفقه واللغة، وبين التعليم العتيق والتكوين الجامعي الحديث.
هذا التعيين لم يكن حدثًا عادياً في مسار تدبير الشأن الديني، بل يحمل في طياته إشارات قوية إلى استمرار الرهان على الكفاءات العلمية الوطنية التي تشبعت بالثوابت الدينية للمملكة، واستوعبت في الآن ذاته تحولات المجتمع ومتطلبات العصر، خاصة وأن أمير المؤمنين ما فتئ يؤكد في توجيهاته السامية على ضرورة صون الدين في وسطيته واعتداله، وحماية المرجعية الدينية للمغاربة من كل أشكال الانحراف أو التوظيف غير السليم.
ينحدر الدكتور اليزيد الراضي من دوار إداوزكري بدائرة إغرم، بإقليم تارودانت، وهي بيئة علمية عريقة شكلت عبر التاريخ أحد معاقل المدارس العتيقة بسوس، حيث تشكلت شخصيته العلمية الأولى، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى المتون في النحو والفقه واللغة، من قبيل الآجرومية واللامية والرسالة، في فضاء تربوي تقليدي حافظ على استمرارية المعرفة الشرعية عبر الأجيال. ومن هذا المنطلق، لم يكن مساره العلمي انفصالًا عن الجذور، بل امتدادًا لها في أفق أوسع.
وقد واصل مسيرته في التعليم الأصيل ثم النظامي، ليحصل على البكالوريا سنة 1970، ثم الإجازة في الحقوق والدراسات العربية سنة 1973، قبل أن يتوج هذا المسار بالحصول على الماجستير سنة 1990، ثم الدكتوراه في الأدب العربي سنة 2002، وهو ما يعكس إيمانًا راسخًا بأن العالم الحقيقي لا يكتفي بالحفظ، بل يضيف إليه الفهم والتحليل والتأصيل.
وانطلقت تجربته المهنية من تدريس التعليم الأصيل، حيث اشتغل بثانوية المختار السوسي بطاطا، ثم بثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل بتارودانت، قبل أن يلتحق بالتعليم الجامعي أستاذًا بكلية الآداب بجامعة ابن زهر بأكادير منذ سنة 1986، حيث أسهم في تكوين أجيال من الطلبة، جامعًا بين عمق التراث ومنهجية البحث الأكاديمي، ومؤكدًا أن الجامعة ليست قطيعة مع المدارس العتيقة، بل امتداد علمي لها في صيغة أكثر انفتاحًا وتنظيمًا.
كما راكم تجربة مؤسساتية مهمة، من خلال رئاسته للمجلس العلمي المحلي بتارودانت منذ سنة 2004، وترؤسه لمؤسسة سوس للمدارس العتيقة، إلى جانب عضويته في رابطة الأدب الإسلامي العالمية ومشاركته في فريق البحث في التراث السوسي، وهي مهام تعكس حضوره الفعلي في ميدان التأطير الديني والثقافي، وليس فقط في فضاء التدريس النظري.
وعلى مستوى الإنتاج العلمي، ترك بصمته من خلال مؤلفات تعالج قضايا فقهية معاصرة، من بينها كتاب “زكاة رواتب الموظفين وأصحاب المهن الحرة”، إضافة إلى عمل مخطوط بعنوان “بناء القصر في أحكام القصر”، وهي أعمال تدل على وعي فقهي يسعى إلى تنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس، وربط النصوص بالمستجدات، في إطار اجتهاد منضبط بأصوله.
ويأتي هذا التعيين كذلك في سياق تكريم المسار السابق للأمين العام المنتهية مهامه، حيث وشّح أمير المؤمنين السيد محمد يسف بوسام العرش من درجة ضابط كبير، تقديرًا لما أسداه من خدمات جليلة للدين والوطن، في لحظة تؤكد أن تدبير الحقل الديني بالمغرب قائم على الاستمرارية والتراكم، لا القطيعة والانفصال.
إن مسار الدكتور اليزيد الراضي، من قرية صغيرة في عمق سوس إلى موقع المسؤولية العلمية العليا، ليس مجرد انتقال جغرافي أو وظيفي، بل هو تجسيد حي لفكرة أن العلم، حين يقترن بالإخلاص والصبر، يفتح لصاحبه آفاق التأثير وخدمة الأمة. وهو في الآن ذاته رسالة قوية مفادها أن البيئة المغربية، بما تختزنه من مدارس عتيقة وجامعات ومجالس علمية، قادرة على إنتاج علماء يحملون مشعل التوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويؤدون رسالتهم في خدمة الدين والوطن تحت الرعاية السامية لإمارة المؤمنين.

