يقين 24
رشيد اكريك أستاذ مادة الرياضيات طالب باحث بسلك الدكتوراه تخصص الفلسفة.
لم يعد ممكنًا اليوم تناول إشكالية الجامعة المغربية من زاوية بيداغوجية ضيقة تختزلها في البرامج والمناهج، لأن ما تعيشه هذه المؤسسة يتجاوز حدود التعلم إلى عمق البنية الاجتماعية التي تؤطرها. فالجامعة ليست فقط فضاءً لنقل المعرفة، بل هي مجال اجتماعي مركب تتقاطع داخله تمثلات وقيم ورهانات مختلفة، ويتحول فيه الطالب من متلقٍ إلى فاعل داخل شبكة معقدة من العلاقات. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن مأسسة مهنة الأخصائي الاجتماعي داخل الجامعة لا ينبغي أن يُفهم كإجراء تنظيمي أو إداري، بل كخيار استراتيجي يعيد طرح سؤال الجامعة في علاقتها بالمجتمع وبالإنسان.
لقد أبانت التحليلات السوسيولوجية المعاصرة، خاصة تلك التي اشتغل عليها الباحث أسامة البحري في مقالته ” لماذا مأسسة مهنة الأخصائي الإجتماعي في الجامعة المغربية أمر مهم؟” ، أن الطالب لا يدخل الجامعة صفحة بيضاء، بل يلجها محمّلًا بهابيتوسات تشكلت عبر مساراته الاجتماعية السابقة. هذه الهابيتوسات لا تظل كامنة، بل تتجلى في أنماط التفاعل داخل الفضاء الجامعي، حيث يميل الطلبة إلى الانخراط في جماعات تشبههم ثقافيًا وقيميًا، مما يخلق نوعًا من الانغلاق الفئوي. وهكذا تتحول الجامعة، بدل أن تكون فضاءً للتبادل والانفتاح، إلى مجال لإعادة إنتاج التمايزات بشكل صامت، حيث تتجاور الثقافات دون أن تتفاعل.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى وسيط مهني قادر على تفكيك هذه الديناميات وإعادة توجيهها، وهو ما يجعل الأخصائي الاجتماعي فاعلًا محوريًا داخل الحقل الجامعي. فدوره لا يقتصر على تقديم الدعم الفردي، بل يمتد إلى إعادة تنظيم العلاقات داخل المؤسسة، بما يضمن انتقالها من حالة التعايش السلبي إلى التفاعل المنتج. ومن هنا، فإن مأسسة هذه المهنة تمثل مدخلًا لإعادة بناء الجامعة كفضاء للاندماج والاعتراف، لا كفضاء للتمايز والانغلاق.
إن أحد أهم الرهانات التي تطرحها هذه المأسسة يتمثل في تحقيق نوع من “ديمقراطية المعرفة”. فالمعرفة داخل الجامعة لا تُنتج في فراغ، بل تتأثر بالشروط الاجتماعية التي يحملها الطلبة معهم. فهناك من يمتلك الجرأة اللغوية والثقة الثقافية التي تخوله التعبير والمشاركة، وهناك من يشعر بنوع من الغربة داخل المدرج، فيكتفي بالصمت والمراقبة. وهنا يتدخل الأخصائي الاجتماعي ليعيد التوازن إلى هذه المعادلة، من خلال تمكين الطلبة من بناء ثقة معرفية بأنفسهم، وتفكيك الحواجز الرمزية التي تحول دون اندماجهم الفعلي في الحياة الأكاديمية. وبذلك، لا يصبح الهدف هو فقط نقل المعرفة، بل خلق شروط عادلة لإنتاجها.
ولا يمكن فصل هذا البعد الإبستمولوجي عن البعد السياسي للمسألة، لأن الجامعة، بوصفها مؤسسة عمومية، مطالبة بأن تجسد قيم العدالة الاجتماعية. غير أن العدالة لا تختزل في توزيع الموارد، بل تشمل أيضًا الاعتراف بالاختلافات الثقافية والاجتماعية للطلبة. وهنا يظهر الأخصائي الاجتماعي كفاعل مؤسساتي يشتغل على تقليص الفوارق، ليس فقط من خلال الترافع من أجل تحسين الخدمات، بل أيضًا عبر تعزيز ثقافة الاعتراف داخل الجامعة، بما يسمح لكل طالب بأن يشعر بشرعية وجوده وانتمائه.
غير أن التحدي الأكبر يظل في تفكيك ما يمكن تسميته بـ”العنف الرمزي” الذي تمارسه المؤسسة بشكل غير مباشر، حين تفرض أنماطًا معينة من اللغة أو التفكير باعتبارها معيارًا للتفوق. فداخل الجامعة المغربية، تتشكل تراتبيات خفية بين التخصصات واللغات وأنماط التعبير، مما يولد لدى بعض الطلبة شعورًا بالدونية أو الإقصاء. وهنا، لا يكفي الاعتراف بوجود هذا العنف، بل يجب العمل على تجاوزه من خلال بناء فضاءات تفاعلية يشعر فيها الجميع بالأمان الثقافي، حيث يتحول الاختلاف من مصدر للتوتر إلى فرصة للتكامل. وهذا ما يجعل من الأخصائي الاجتماعي وسيطًا ثقافيًا بامتياز، يشتغل على إعادة توزيع الاعتراف داخل الحقل الجامعي.
وإذا كان هذا البعد السوسيولوجي مهمًا، فإن البعد النفس-اجتماعي لا يقل أهمية عنه. فالطالب الجامعي يعيش في كثير من الأحيان تحت ضغط نفسي كبير، نتيجة القلق المرتبط بالمستقبل، أو الشعور بالعزلة، أو صعوبة التكيف مع البيئة الجديدة. وغالبًا ما يتم التعامل مع هذه الصعوبات بشكل فرداني، يُحمِّل الطالب مسؤولية فشله، دون النظر إلى السياق الذي يعيشه. وهنا، تتيح مأسسة الأخصائي الاجتماعي الانتقال إلى مقاربة أكثر شمولية، تنظر إلى الطالب كذات علائقية تتأثر بمحيطها، وتعمل على تعزيز مرونته النفسية بدل وصمه بالفشل. وبذلك، تتحول الجامعة إلى بيئة داعمة ترافق الطالب في مساره، بدل أن تتركه يواجه مصيره بمفرده.
ولا يمكن إغفال التحولات التي فرضها العصر الرقمي، حيث لم تعد العلاقات الجامعية تقتصر على الفضاء الفيزيقي، بل امتدت إلى فضاءات افتراضية تعيد تشكيل أنماط التفاعل. ففي الوقت الذي تتيح فيه التكنولوجيا إمكانيات جديدة للتواصل، فإنها قد تعزز أيضًا أشكالًا من الانغلاق داخل “فقاعات رقمية” تعيد إنتاج نفس التمايزات. وهنا، يصبح الأخصائي الاجتماعي مطالبًا بتوسيع مجال تدخله ليشمل هذا البعد الرقمي، من خلال توجيه الطلبة نحو استخدام واعٍ للتكنولوجيا، وإعادة ربطهم بالعلاقات الواقعية.
أما على المستوى المؤسساتي، فإن مأسسة هذه المهنة تطرح ضرورة إعادة التفكير في موقع الأخصائي الاجتماعي داخل الجامعة، بحيث لا يظل فاعلًا هامشيًا، بل يصبح جزءًا من منظومة اتخاذ القرار. فإدماجه في صياغة السياسات الطلابية، وفي تقييم المناخ الجامعي، من شأنه أن يحول التدخل من مجرد رد فعل على الأزمات إلى استراتيجية وقائية تضمن توازن الحقل الجامعي.
وفي المحصلة، فإن الجامعة المغربية تقف اليوم أمام خيار حاسم: إما أن تستمر في إعادة إنتاج التمايزات بشكل صامت، أو أن تنخرط في مسار تحويلي يجعل منها فضاءً لإدارة الاختلاف وتحويله إلى قوة إنتاجية. وفي هذا الأفق، تبرز مأسسة مهنة الأخصائي الاجتماعي كرافعة أساسية لإعادة بناء الجامعة على أسس جديدة، قوامها الاعتراف، والعدالة، والتفاعل الخلاق.
إن الرهان لم يعد فقط تخريج طلبة يحملون شواهد، بل تكوين أفراد قادرين على فهم الاختلاف والتعايش معه، وتحويله إلى مصدر للإبداع. وهكذا، تصبح الجامعة ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل مختبرًا لصناعة الإنسسومية علالي تقود المعارض الدولية للترويج لصورة المغربان والمجتمع في آن واحد.

