يقين 24
تشهد كرة القدم القاعدية خلال السنوات الأخيرة تحولات مثيرة للجدل، بعدما دخلت على خط التكوين الكروي جمعيات حديثة العهد بالمجال، في مشهد يعتبره عدد من الفاعلين الرياضيين ظاهرة مقلقة تهدد مستقبل التكوين الحقيقي وتضرب سنوات من العمل داخل المدارس الكروية الجادة.
ورغم أن اتساع قاعدة الممارسة الرياضية يظل أمراً إيجابياً في الظاهر، إلا أن عدداً من المؤطرين والمدربين باتوا يدقون ناقوس الخطر بسبب ما وصفوه بـ”استنزاف المواهب الصغيرة” عبر أساليب تعتمد على استقطاب الأطفال الجاهزين بدل الاستثمار في التكوين والتأطير من الصفر.
وبحسب شهادات عدد من مسؤولي المدارس الكروية، فإن بعض الجمعيات التي لم تكن لها أي علاقة بكرة القدم، سواء كانت تنشط في مجالات ثقافية أو اجتماعية أو رياضات أخرى، اقتحمت فجأة عالم الكرة دون توفرها على مشروع رياضي واضح أو بنية تقنية قادرة على تكوين اللاعبين.
ويؤكد مهتمون بالشأن الرياضي أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في تأسيس جمعيات جديدة، بل في الأساليب المعتمدة لاستقطاب اللاعبين الصغار، والتي تعتمد أحياناً على تقديم وعود مغرية للأسر، من قبيل المشاركة في دوريات خارج المغرب أو فتح أبواب الاحتراف مستقبلاً، إضافة إلى إغراءات مرتبطة بالألبسة الرياضية والتنقلات المجانية.
ويقول أحد مسؤولي مدارس التكوين إن عدداً من الجمعيات أصبحت تفضل “الاستيلاء” على لاعبين جاهزين قضوا سنوات في التعلم والتأطير داخل مدارس أخرى، بدل القيام بعملها الطبيعي المتمثل في اكتشاف المواهب وصقلها داخل الأحياء والملاعب القريبة.
هذا الوضع، بحسب متابعين، خلق نوعاً من الاحتقان داخل الوسط الرياضي المحلي، خاصة في ظل شعور عدد من الجمعيات الجادة بأنها أصبحت تدفع ثمن سنوات من العمل والتكوين دون أي حماية قانونية أو اعتراف بحقوقها في التكوين.
ولا تتوقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الجمعيات، بل تمتد إلى الأطفال أنفسهم، حيث يرى مختصون أن كثرة التنقل بين الفرق في سن مبكرة تؤثر على الاستقرار النفسي والتقني للاعب الصغير، وتجعله يعيش ضغوطاً أكبر من سنه الحقيقية، في وقت يفترض فيه أن تكون الرياضة فضاء للتربية واكتساب القيم قبل البحث عن النجومية.
كما يحذر فاعلون رياضيون من تحول بعض الجمعيات إلى ما يشبه “سوقاً رياضية مصغرة”، يتم فيها التعامل مع الأطفال بمنطق الربح والخسارة، بعيداً عن أي مشروع تربوي أو رؤية رياضية طويلة المدى، وهو ما يهدد صورة كرة القاعدة ويضرب فلسفة التكوين في العمق.
وفي ظل تزايد هذا الجدل، تتعالى الأصوات المطالبة بتدخل العصب الجهوية والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من أجل وضع ضوابط قانونية واضحة تنظم انتقال اللاعبين الصغار بين الجمعيات، وتحمي حقوق مدارس التكوين التي تشتغل منذ سنوات في صمت.
فكرة القدم، كما يقول عدد من الغيورين على القطاع، لا يمكن أن تبنى على “خطف المواهب”، بل على التكوين الحقيقي والاستثمار في الطفل الرياضي داخل بيئة سليمة تحفظ له حقه في التعلم والتطور بعيداً عن أي استغلال أو متاجرة بالأحلام الصغيرة.

